ابن تيمية

88

مجموعة الفتاوى

وَهَذَا أَصَحُّ . وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ فَيُرَى مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ وَلَا حَصْرٍ . وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَدْحُ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لِعَظَمَتِهِ أَنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ الْعِبَادِ وَإِنْ رَأَتْهُ وَهُوَ يُدْرِكُ أَبْصَارَهُمْ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ بِحَضْرَتِهِ لِمَنْ عَارَضَ بِهَذِهِ الْآيَةِ : " أَلَسْت تَرَى السَّمَاءَ ؟ " . قَالَ : " بَلَى " قَالَ : " أَفَكُلَّهَا تَرَى ؟ " وَكَذَلِكَ قَالَ : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ } وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : عِلْمُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَاطَ بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ شَيْءٍ فَقَالُوا : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومِهِ . وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ نَفْسُ الْعِلْمِ جِنْسٌ يُحِيطُونَ مِنْهُ بِمَا شَاءَ وَسَائِرُهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ . وَقَالَ : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } وَالرَّاجِحُ مِن القَوْلَيْنِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } وَإِذَا لَمْ يُحِيطُوا بِهَذَا عِلْماً وَهُوَ بَعْضُ مَخْلُوقَاتِ الرَّبِّ فَأَنْ لَا يُحِيطُوا عِلْماً بِالْخَالِقِ أَوْلَى وَأَحْرَى . قَالَ تَعَالَى : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ } وَقَالَ : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ } - الْآيَةَ فَإِذَا قِيلَ { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } . أَيْ لَا تُحِيطُ بِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ