ابن تيمية

144

مجموعة الفتاوى

بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا . فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ . وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ } . فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِمَا يُحِبُّهُ مِن النَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَحُبُّ اللَّهِ لِعَبْدِهِ بِحَسَبِ فِعْلِ الْعَبْدِ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ . وَمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ فَهُوَ تَبَعٌ لِحُبِّ نَفْسِهِ وَحُبُّهُ ذَلِكَ هُوَ سَبَبُ حُبِّ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ حُبُّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَبَعاً لِحُبِّ نَفْسِهِ . فَالْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ كَانُوا يَحْمَدُونَ رَبَّهُمْ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ فَهُمْ لَا يُحْصُونَ ثَنَاءً عَلَيْهِ بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : { اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك . وَبِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك } وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ { لَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيْهِ الْمَدْحُ مِن اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ } . { وَقَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ : إنِّي حَمِدْت رَبِّي بِمَحَامِدَ فَقَالَ إنَّ رَبَّك يُحِبُّ الْحَمْدَ } فَهُوَ يُحِبُّ حَمْدَ الْعِبَادِ لَهُ وَحَمْدُهُ لِنَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ حَمْدِ الْعِبَادِ لَهُ وَيُحِبُّ ثَنَاءَهُمْ عَلَيْهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَنَائِهِمْ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ حُبُّهُ لِنَفْسِهِ وَتَعْظِيمُهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا تَبْلُغُهَا عُقُولُ الْخَلَائِقِ فَالْعَظَمَةُ إزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ