ابن تيمية
145
مجموعة الفتاوى
{ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ } . قَالَ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْقُدُّوسُ أَنَا السَّلَامُ أَنَا الْمُؤْمِنُ أَنَا الْمُهَيْمِنُ أَنَا الَّذِي بَدَأْت الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُ شَيْئاً أَنَا الَّذِي أُعِيدُهَا } وَفِي رِوَايَةٍ { يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ } فَهُوَ يَحْمَدُ نَفْسَهُ وَيُثْنِي عَلَيْهَا وَيُمَجِّدُ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ الْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ بَلْ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ { يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وَهُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ . فَإِذَا فَرِحَ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ وَأَحَبَّ مَنْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَرَضِيَ عَنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ : هُوَ مُفْتَقِرٌ فِي ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ وَلَا مُسْتَكْمَلٌ بِسِوَاهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ هَؤُلَاءِ وَهُوَ الَّذِي هَدَاهُمْ وَأَعَانَهُمْ حَتَّى فَعَلُوا مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيَفْرَحُ بِهِ . فَهَذِهِ الْمَحْبُوبَاتُ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ فَلَهُ الْمُلْكُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَحْتَجُّ بِهِ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ لِأَفْعَالِهِ حِكْمَةً تَتَعَلَّقُ بِهِ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا وَيَفْعَلُ لِأَجْلِهَا .