الشيخ الطبرسي

52

تفسير مجمع البيان

وتنافسوا ، وتغالبوا ، وظلموا في الأرض ، وتغلب بعضهم على بعض ، وخرجوا عن الطاعة . قال ابن عباس : بغيهم في الأرض : طلبهم منزلة بعد منزلة ، ودابة بعد دابة ، وملبسا بعد ملبس . ( ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) أي : ولكنه ينزل من الرزق قدر صلاحهم ما يشاء ، نظرا منه لهم ، عن قتادة . والمعنى : إنه يوسع الرزق على من تكون مصلحته فيه ، ويضيق على من تكون مصلحته فيه ، ويؤيده الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرائيل عليه السلام عن الله : ( إن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ، ولو صححته لأفسده . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ، ولو أسقمته لأفسده . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده . وذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم ) . والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة . ومتى قيل : نحن نرى كثيرا ممن يوسع عليه الرزق يبغي في الأرض ؟ قلنا : إنا إذا علمنا على الجملة أنه سبحانه يدبر أمور عباده بحسب ما يعلم من مصالحهم ، فلعل هؤلاء كان يستوي حالهم في البغي ، وسع عليهم أو لم يوسع ، أو لعلهم لو لم يوسع عليهم لكانوا أسوأ حالا في البغي ، فلذلك وسع عليهم ، والله أعلم بتفاصيل أحوالهم . ( إنه بعباده خبير بصير ) أي . عليم بأحوالهم ، بصير بما يصلحهم ، وما يفسدهم . ثم بين سبحانه حسن نظره بعباده فقال : ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ) أي : ينزله عليهم من بعد ما يئسوا من نزوله . والغيث : ما كان نافعا في وقته . والمطر قد يكون نافعا ، وقد يكون ضارا في وقته ، وغير وقته . ووجه إنزاله بعد القنوط أنه أدعى إلى شكر الآتي به ، وتعظيمه ، والمعرفة بموقع إحسانه . ( وينشر رحمته ) أي . ويفرق نعمته ، ويبسطها باخراج النبات والثمار التي يكون سببها المطر ( وهو الولي ) الذي يتولى تدبير عباده ، وتقدير أمورهم ومصالحهم ، المالك لهم . ( الحميد ) المحمود على جميع أفعاله ، لكون جميعها إحسانا ومنافع . ( ومن آياته ) الدالة على وحدانيته ، وصفاته التي باين بها خلقه ( خلق السماوات والأرض ) لأنه لا يقدر على ذلك غيره ، لما فيهما من العجائب والأجناس التي لا يقدر عليها القادر بقدرته . ( وما بث فيهما من دابة ) والدابة : ما تدب ، فيدخل فيه جميع الحيوانات ( وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) أي : وهو على