الشيخ الطبرسي

403

تفسير مجمع البيان

ولا في ( لئلا يعلم ) زائدة ، وأن في ( أن لا يقدرون ) مخففة من الثقيلة ، واسمه محذوف وتقديره : إنهم لا يقدرون . ولا هنا يدل على الإضمار في أن مع تخفيف أن . المعنى : ثم عطف سبحانه على ما تقدم من ذكر الأنبياء بقصة إبراهيم عليه السلام ونوح عليه السلام فقال سبحانه : ( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ) وإنما خصهما بالذكر لفضلهما ، ولأنهما أبوا الأنبياء ( وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) يعني أن الأنبياء كلهم من نسلهما وذريتهما ، وعليهم أنزل الكتاب . ثم أخبر عن حال ذريتهما فقال : ( فمنهم مهتد ) إلى طريق الحق . ( وكثير منهم فاسقون ) أي خارجون عن طاعة الله إلى معصيته . ( ثم قفينا على آثارهم برسلنا ) أي : ثم أتبعنا بالإرسال على آثار من ذكرناهم من الأنبياء ، برسل آخرين إلى قوم آخرين ، وأنفذناهم رسولا بعد رسول . ( وقفينا بعيسى بن مريم ) بعدهم . فأرسلناه رسولا . ( وأتيناه الإنجيل ) أي وأعطينا عيسى بن مريم الإنجيل ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ) في دينه ، يعني الحواريين ، وأتباعهم ، اتبعوا عيسى ( رأفة ) وهي أشد الرقة ( 1 ) ( ورحمة ) وإنما أضاف الرأفة والرحمة إلى نفسه ، لأنه سبحانه جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة بالأمر به ، والترغيب فيه ، ووعد الثواب عليه . وقيل : لأنه خلق في قلوبهم الرأفة والرحمة ، وإنما مدحهم على ذلك ، وإن كان من فعله ، لأنهم تعرضوا لهما . ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) وهي الخصلة من العبادة ، يظهر فيها معنى الرهبة ، إما في كنيسة ، أو انفراد عن الجماعة ، أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه ، والمعنى : ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم . وقيل : إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء ، واتخاذ الصوامع ، عن قتادة قال ( 2 ) : وتقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم ( إلا ) أنهم اتبعوها ( ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) وقيل : إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها ، وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، عن ابن عباس . وقيل : إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة . ما كتبناها أي : ما فرضناها عليهم . وقال الزجاج : إن تقديره ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ، وابتغاء رضوان الله : اتباع ما أمر به . فهذا

--> ( 1 ) في نسخة : أشد الرقة والرحمة . ( 2 ) ليس في أكثر النسخ لفظة قال .