الشيخ الطبرسي
404
تفسير مجمع البيان
وجه ، قال : وفيها وجه آخر ، جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه ، فاتخذوا أسرابا وصوامع ، وابتدعوا ذلك . فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع ، ودخلوا عليه ، لزمهم تمامه ، كما أن الانسان إذا جعل على نفسه صوما ، لم يفرض عليه ، لزمه أن يتمه . قال : وقوله ( فما رعوها حق رعايتها ) على ضربين أحدهما : أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم . والاخر : وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يؤمنوا به ، كانوا تاركين لطاعة الله ، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها . ودليل ذلك قوله : ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) يعني الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . ( وكثير منهم فاسقون ) أي كافرون . انتهى كلام الزجاج . ويعضد هذا ما جاءت به الرواية ، عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حمار ، فقال : يا بن أم عبد ! هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية ؟ فقلت : الله ورسوله أعلم . فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ، يعملون بمعاصي الله ، فغضب أهل الإيمان ، فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ، ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام ، يعنون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم . فتفرقوا في غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانية ، فمنهم من تمسك بدينه ، ومنهم من كفر . ثم تلا هذه الآية : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) إلى آخرها . ثم قال : يا بن أم عبد ! أتدري ما رهبانية أمتي ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : الهجرة ، والجهاد ، والصلاة ، والصوم ، والحج ، والعمرة . وعن ابن مسعود قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بن مسعود ! اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة ، نجا منها اثنتان ، وهلك سائرهن . فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسى عليه السلام ، فقتلوهم . وفرقة لم تكن لهم طاقة لموازاة الملوك ، ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم ، يدعونهم إلى دين الله تعالى ، ودين عيسى عليه السلام ، فساحوا في البلاد ، وترهبوا ، وهم الذين قال الله لهم ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( من آمن بي ، وصدقني ، واتبعني ، فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن بي ، فأولئك هم الهالكون ) . ثم قال سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا ) أي اعترفوا بتوحيد الله ، وصدقوا بموسى وعيسى عليهما السلام . ( اتقوا الله وآمنوا برسوله ) محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن ابن عباس .