الشيخ الطبرسي
373
تفسير مجمع البيان
عنه : إنا لمولع بنا . وفي رواية أخرى عنه : إنا لملقون في الشر . وقيل محارفون ، عن قتادة . ومن قرأ ( أإنا ) على الاستفهام حمله على أنهم يقومون فيقولون منكرين لذلك . ومن قرأ ( إنا ) على الخبر حمله على أنهم مخبرون بذلك عن أنفسهم . ثم يستدركون فيقولون : ( بل نحن محرومون ) أي مبخوسو ( 1 ) الحظ ، محارفون ممنوعون من الرزق والخير . ثم قال سبحانه ، منبها على دلالة أخرى : ( أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن ) أي من السحاب ( أم نحن المنزلون ) نعمة منا عليكم ، ورحمة بكم . ثم قال : ( لو نشاء جعلناه أجاجا ) أي مرا شديد المرارة . وقيل : هو الذي اشتدت ملوحته . ( فلولا تشكرون ) أي فهلا تشكرون على هذه النعمة السنية التي لا يقدر عليها أحد غير الله . ثم نبه سبحانه على دلالة أخرى فقال : ( أفرأيتم النار التي تورون ) أي : تستخرجونها وتقدحونها بزنادكم من الشجر . ( أأنتم أنشأتم شجرتها ) التي تنقدح النار منها أي أنتم أنبتموها وابتدأتموها ( أم نحن المنشئون ) لها ، فلا يمكن لأحد أن يقول : إنه أنشأ تلك الشجرة غير الله تعالى . والعرب تقدح بالزند ، والزند ، وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار . وفي المثل : ( في كل شجر نار واستمجد ( 2 ) المرخ والعفار ) . ( نحن جعلناها تذكرة ) أي نحن جعلنا هذه النار تذكرة للنار الأخرى الكبرى ، فإذا رآها الرائي ذكر جهنم واستعاذ بالله منها ، عن عكرمة ومجاهد وقتادة . وقيل : معناه تذكرة يتذكر بها ، ويتفكر فيها ، فيعلم أن من قدر عليها ، وعلى اخراجها من الشجر الرطب ، قدر على النشأة الثانية . ( ومتاعا للمقوين ) أي وجعلناها بلغة ومنفعة للمسافرين ، عن ابن عباس والضحاك وقتادة . يعني الذين نزلوا الأرض القي وهو القفر . وقيل : للمستمتعين بها من الناس أجمعين ، المسافرين والحاضرين ، عن عكرمة ومجاهد . والمعنى أن جميعهم يستضيئون بها من الظلمة ، ويصطلون من البرد ، وينتفعون بها في الطبخ والخبز . وعلى هذا فيكون المقوي من الأضداد ، فيكون المقوي الذي صار ذا قوة من المال والنعمة . والمقوي أيضا الذاهب ماله ، النازل بالقواء من الأرض .
--> ( 1 ) وفي نسخة : محبوسو الحظ . ( 2 ) أي : استكثرا من النار ، ومعنى المثل : كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما . يقال : شبها بمن يكثر العطاء طلبا للمجد ، يضرب في تفضيل بعض الشئ على بعض .