الشيخ الطبرسي
372
تفسير مجمع البيان
( وننشئكم فيما لا تعلمون ) من الصور ، أي إن أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير ، لم نسبق ، ولا فاتنا ذلك ، وتقديره : كما لم نعجز عن تغيير أحوالكم بعد خلقكم ، لا نعجز عن أحوالكم بعد موتكم . وقيل : أراد النشأة الثانية أي : ننشئكم فيما لا تعلمون من الهيئات المختلفة . فإن المؤمن يخلق على أحسن هيئة ، وأجمل صورة . والكافر على أقبح صورة . وقيل : إنما قال ذلك ، لأنهم علموا حال النشأة الأولى ، كيف كانت في بطون الأمهات ، وليست الثانية كذلك لأنها تكون في وقت لا يعلمه العباد . ( ولقد علمتم النشأة الأولى ) أي المرة الأولى من الانشاء ، وهو ابتداء الخلق حين خلقتم ( 1 ) من نطفة ، وعلقة ، ومضغة . ( فلولا تذكرون ) أي فهلا تعتبرون وتستدلون بالقدرة عليها ، على الثانية . ( أفرأيتم ما تحرثون ) أي ما تعملون في الأرض ، وتلقون فيها من البذر . ( أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) أي أنتم تنبتونه ، وتجعلونه زرعا ، أم نحن المنبتون . فإن من قدر على إنبات الزرع من الحبة الصغيرة ، وأن يجعلها حبوبا كثيرة ، قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه ، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( لا يقولن أحدكم زرعت ، وليقل حرثت ) . ( لو نشاء لجعلناه ) أي جعلنا ذلك الزرع ( حطاما ) أي هشيما لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء . وقيل : تبنا لا قمح فيه ، عن عطاء . ( فظلتم تفكهون ) أي : تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم ، عن عطاء والكلبي ومقاتل . وقيل : معناه تندمون وتتأسفون على ما أنفقتم فيه ، عن عكرمة وقتادة والحسن . وأصله من التفكه بالحديث وهو التلهي به ، فكأنه قال : فظلتم تتروحون إلى التندم ، كما يتروح الفكه إلى الحديث ، بما يزيل الهم . وقيل : معناه يتلاومون ، عن عكرمة أي : يلوم بعضكم بعضا على التفريط في طاعة الله . ( إنا لمغرمون ) أي تقولون : إنا لمغرمون . والمعنى : إنا قد ذهب مالنا كله ، ونفقتنا ، وضاع وقتنا ، ولم نحصل على شئ . وقيل : معناه إنا لمعذبون مجدودون ( 2 ) عن الحظ ، عن مجاهد . وفي رواية أخرى
--> ( 1 ) في بعض النسخ : خلقهم . ( 2 ) وفي سائر النسخ محدودون بالمهملة . وجد النخل بالجيم أي : صرمه وقطعه . وحد الله عنا الشر أي : كفه وصرفه .