الشيخ الطبرسي

18

تفسير مجمع البيان

يصبر هؤلاء على النار وآلامها . وليس المراد به الصبر المحمود ، ولكنه الإمساك عن إظهار الشكوى ، وعن الاستغاثة فالنار مسكن لهم ( وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ) أي : وإن يطلبوا العتبى ، وسألوا الله تعالى أن يرضى عنهم ، فليس لهم طريق إلى الإعتاب ، فما هم ممن يقبل عذرهم ، ويرضى عنهم ، وتقدير الآية : إنهم إن صبروا وسكتوا ، أو جزعوا ، فالنار مأواهم ، كما قال سبحانه : ( اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ) . والمعتب هو الذي يقبل عتابه ، ويجاب إلى ما سأل . وقيل : معناه وإن يستغيثوا فما هم من المغاثين . ( وقيضنا لهم قرناء ) أي : هيأنا لهم قرناء من الشياطين ، عن مقاتل ، ومعناه : بدلناهم قرناء سوء من الجن والإنس ، مكان قرناء الصدق الذين أمروا بمقارنتهم ، فلم يفعلوا . بين الله سبحانه أنه إنما فعل ذلك عقوبة لهم على مخالفتهم ، ونظيره : ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) . وقيل : معناه خلينا بينهم وبين قرناء السوء بما استوجبوه من الخذلان ، عن الحسن . ( فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ) أي : زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروه ، وعملوا له . وما خلفهم من أمر الآخرة بدعائهم إلى أنه لا بعث ، ولا جزاء ، عن الحسن والسدي . وقيل : فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة ، فقالوا : لا جنة ، ولا نار ، ولا بعث ، ولا حساب . وما خلفهم من أمر الدنيا من جمع الأموال ، وترك النفقة في وجوه البر ، عن الفراء . وقيل : ما بين أيديهم : ما قدموه من أفعالهم السيئة حتى ارتكبوها ، وما خلفهم : ما سنوه لغيرهم ممن يأتي بعدهم . ( وحق عليهم القول ) أي : وجب عليهم الوعيد والعذاب ( في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ) أي : صاروا في أمم أمثالهم كذبوا لتكذيبهم ، قد مضوا قبلهم ، وجب عليهم العذاب بعصيانهم . ثم قال سبحانه : ( إنهم كانوا خاسرين ) خسروا الجنة ونعيمها . * ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون [ 26 ] * فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون [ 27 ] * ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون [ 28 ] * وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت