الشيخ الطبرسي
162
تفسير مجمع البيان
ثم أمر سبحانه بقتال الكفار فقال : ( فإذا لقيتم ) معاشر المؤمنين . ( الذين كفروا ) يعني أهل دار الحرب ( فضرب الرقاب ) أي فاضربوا رقابهم والمعنى : اقتلوهم ، لأن أكثر مواضع القتل ضرب العنق ، وإن كان يجوز الضرب في سائر المواضع ، فإن الغرض قتلهم . ( حتى إذا أثخنتموهم ) أي أثقلتموهم بالجراح ، وظفرتم بهم . وقيل : حتى إذا بالغتم في قتلهم ، وأكثرتم القتل حتى ضعفوا ( فشدوا الوثاق ) أي أحكموا وثاقهم في الأسر . أمر سبحانه بقتلهم ، والإثخان فيهم ، ليذلوا . فإذا ذلوا بالقتل أسروا ، فالأسر يكون بعد المبالغة في القتل ، كما قال سبحانه . ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) . ( فإما منا بعد وإما فداء ) أي فإما أن تمنوا عليهم منا بعد أن تأسروهم فتطلقوهم بغير عوض ، وإما أن تفدوهم فداء . واختلف في ذلك فقيل : كان الأسر محرما بآية الأنفال ، ثم أبيح بهذه الآية ، لأن هذه السورة نزلت بعدها . فإذا أسروا فالإمام مخير بين المن والفداء بأسارى المسلمين ، وبالمال ، وبين القتل والاستعباد ، وهو قول الشافعي ، وأبي يوسف ، ومحمد بن إسحاق . وقيل : إن الإمام مخير بين المن ، والفداء ، والاستعباد ، وليس له القتل بعد الأسر ، عن الحسن . وكأنه جعل في الآية تقديما وتأخيرا تقديره : فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها . ثم قال : حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ، فإما منا بعد ، وإما فداء . وقيل : إن حكم الآية منسوخ بقوله : ( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ، وبقوله ( فإما تثقفنهم في الحرب ) ، عن قتادة والسدي وابن جريج . وقال ابن عباس والضحاك : الفداء منسوخ . وقيل : إن حكم الآية ثابت غير منسوخ ، عن ابن عمر والحسن وعطاء قالوا : لأن النبي ( ص ) من على أبي غرة ، وقتل عقبة بن أبي معيط ، وفادى أسارى بدر . والمروي عن أئمة الهدى ، صلوات الرحمن عليهم : أن الأسارى ضربان : ضرب يؤخذون قبل انقضاء القتال والحرب قائمة ، فهؤلاء يكون الإمام مخيرا بين أن يقتلهم ، أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويتركهم حتى ينزفوا ، ولا يجوز المن ولا الفداء . والضرب والاخر : الذين يؤخذون بعد أن وضعت الحرب أوزارها ، وانقضى القتال ، فالإمام مخير فيهم بين المن والفداء : إما بالمال ، أو بالنفس ، وبين الاسترقاق وضرب الرقاب . فإذا أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك ، وكان حكمهم حكم المسلمين .