الشيخ الطبرسي

92

تفسير مجمع البيان

الماء ، ليس من حديث الشجر والأقلام ، وإنما هو من حديث المداد ، كما قرأ جعفر الصادق عليه السلام مداده . فأما رفع ( البحر ) ، فإن شئت كان معطوفا على موضع ( أن ) واسمها ، كما عطف عليه في قوله : ( أن الله برئ من المشركين ورسوله ) ، وقد مضى ذكر ذلك في موضعه . ومن قرأ ( يمده ) بضم الياء ، فإنه تشبيه بإمداد الجيش ، وليس يقوى أن يكون قراءة جعفر بن محمد عليه السلام والبحر مداده أي : زائد فيه ، لأن ماء البحر لا يعتد في الشجر والأقلام ، لأنه ليس من جنسه ، والمداد هناك هو هذا الذي يكتب به . المعنى : ثم أكد سبحانه ما تقدم من خلقه السماوات والأرض بقوله : ( لله ما في السماوات والأرض ) أي . له جميع ذلك خلقا وملكا ، يتصرف فيه كما يريده ، ليس لأحد الاعتراض عليه في ذلك ( إن الله هو الغني ) عن حمد الحامدين ، وعن كل شئ . ( الحميد ) أي : المستحق للحمد والتعظيم ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) أي : لو كان شجر الأرض أقلاما ، وكان البحر مدادا ، ويمده سبعة أبحر مثله أي : تزيده بمائها ، فكتب بتلك الأقلام والبحور ، لتكسرت تلك الأقلام ، ونفد ماء البحور ، وما نفدت كلمات الله . وقد ذكرنا تفسير ( كلمات الله ) في سورة الكهف ، والأولى أن يكون عبارة عن مقدوراته ، ومعلوماته ، لأنها إذا كانت لا تتناهى ، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عنها لا تتناهى . ( إن الله عزيز ) في اقتداره على جميع ذلك ( حكيم ) يفعل من ذلك ما يليق بحكمته . ثم قال : ( ما خلقكم ولا بعثكم ) يا معشر الخلائق ( إلا كنفس واحدة ) أي : كخلق نفس واحدة ، وبعث نفس واحدة في قدرته ، فإنه لا يشق عليه ابتداء جميع الخلق ، ولا إعادتهم بعد إفنائهم . قال مقاتل : إن كفار قريش قالوا . إن الله خلقنا أطوارا : نطفة ، علقة ، مضغة ، لحما ، فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة ؟ فنزلت الآية . ( إن الله سميع ) يسمع ما يقول القائلون في ذلك ( بصير ) بما يضمرونه . ( ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) أي : ينقص من الليل في النهار ، ومن النهار في الليل ، عن قتادة . وقيل : معناه أن كل واحد منهما