الشيخ الطبرسي
55
تفسير مجمع البيان
المعيشة . والمنام ، والنوم بمعنى واحد . وقيل : إن الليل والنهار معا وقت للنوم ، ووقت لابتغاء الفضل ، لأن من الناس من يتصرف في كسبه ليلا ، وينام نهارا ، فيكون معناه : ومن دلائله النوم الذي جعله الله راحة لأبدانكم بالليل ، وقد تنامون بالنهار ، فإذا انتبهتم انتشرتم لابتغاء فضل الله . ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) ذلك ، فيقبلونه ويتفكرون فيه ، لأن من لا يتفكر فيه ، لا ينتفع به ، فكأنه لم يسمعه ( ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ) معناه : ومن دلالاته أن يريكم النار تنقدح من السحاب ، يخافه المسافر ، ويطمع فيه المقيم ، عن قتادة . وقيل : خوفا من الصواعق ، وطمعا في الغيث ، عن الضحاك . وقيل : خوفا من أن يخلف ولا يمطر ، وطمعا في المطر ، عن أبي مسلم . ( وينزل من السماء ماء ) أي : غيثا ومطرا ( فيحيي به ) أي : بذلك الماء ( الأرض بعد موتها ) أي : بعد انقطاع الماء عنها وجدوبها . ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) أي : للعقلاء المكلفين . ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) بلا دعامة تدعمها ، ولا علاقة تتعلق بها ، بأمره لهما بالقيام كقوله تعالى ( إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) . وقيل : بأمره أي : بفعله وإمساكه ، إلا أن أفعال الله ، عز اسمه ، تضاف إليه بلفظ الأمر ، لأنه أبلغ في الاقتدار . فإن قول القائل أراد فكان ، أو أمر فكان ، أبلغ في الدلالة على الاقتدار من أن يقول فعل فكان . ومعنى القيام الثبات والدوام . ويقال : السوق قائمة . ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ) أي : من القبر ، عن ابن عباس ، يأمر الله عز اسمه إسرافيل عليه السلام فينفخ في الصور بعد ما يصور الصور في القبور ، فيخرج الخلائق كلهم من قبورهم . ( إذا أنتم تخرجون ) من الأرض أحياء . وقيل : إنه سبحانه جعل النفخة دعاء ، لأن إسرافيل يقول أجيبوا داعي الله ، فيدعو بأمر الله سبحانه . وقيل : إن معناه أخرجكم من قبوركم بعد أن كنتم أمواتا فيها . فعبر عن ذلك بالدعاء إذ هو بمنزلة الدعاء ، وبمنزلة كن فيكون في سرعة تأتي ذلك ، وامتناع التعذر . وإنما ذكر سبحانه هذه المقدورات على اختلافها ، ليدل عباده على أنه القادر الذي لا يعجزه شئ ، العالم الذي لا يعزب عنه شئ . وتدل هذه الآيات على فساد قول من قال : إن المعارف ضرورية ، لأن ما يعرف ضرورة ، لا يمكن الاستدلال عليه .