الشيخ الطبرسي

54

تفسير مجمع البيان

المعنى : ثم عطف سبحانه على ما قدمه من تنبيه العبيد على دلائل التوحيد ، فقال : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ) أي : جعل لكم من شكل أنفسكم ، ومن جنسكم ( أزواجا ) . وإنما من سبحانه علينا بذلك ، لأن الشكل إلى الشكل أميل ، عن أبي مسلم . وقيل : معناه أن حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام ، عن قتادة . وقيل : إن المراد بقوله ( من أنفسكم ) أن النساء خلقن من نطف الرجل . ( لتسكنوا إليها ) أي : لتطمئنوا إليها ، وتألفوا بها ، ويستأنس بعضكم ببعض . ( وجعل بينكم مودة ورحمة ) يريد بين المرأة وزوجها ، جعل سبحانه بينهما المودة والرحمة ، فهما يتوادان ويتراحمان ، وما شئ أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما . قال السدي : المودة المحبة ، والرحمة : الشفقة . ( إن في ذلك ) أي : في خلق الأزواج مشاكلة للرجال ( لآيات ) أي : لدلالات واضحات ( لقوم يتفكرون ) في ذلك ، ويعتبرون به . ثم نبه سبحانه على آية أخرى ، فقال : ( ومن آياته ) الدالة على توحيده ( خلق السماوات والأرض ) وما فيهما من عجائب خلقه ، وبدائع صنعه ، مثل ما في السماوات من النجوم والشمس والقمر ، وجريها في مجاريها على غاية ، الاتساق والنظام ، وما في الأرض من أنواع الجماد والنبات والحيوان ، المخلوقة على وجه الإحكام . ( واختلاف ألسنتكم ) فالألسنة جمع لسان ، واختلافها هو أن ينشئها الله تعالى مختلفة في الشكل والهيئة والتركيب ، فتختلف نغماتها وأصواتها ، حتى إنه لا يشتبه صوتان من نفسين هما إخوان . وقيل : إن اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما . ولا شئ من الحيوانات تتفاوت لغاتها ، كتفاوت لغات الانسان ، فإن كانت اللغات توقيفا من قبل الله تعالى ، فهو الذي فعلها وابتدأها . وإن كانت مواضعة من قبل العباد ، فهو الذي يسرها . ( وألوانكم ) أي : واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والصفرة والسمرة وغيرها ، فلا يشبه أحد أحدا مع التشاكل في الخلقة ، وما ذلك إلا للتراكيب البديعة ، واللطائف العجيبة ، الدالة على كمال قدرته وحكمته ، حتى لا يشتبه اثنان من الناس ، ولا يلتبسان مع كثرتهم . ( إن في ذلك لآيات ) أي : أدلة واضحات ( للعالمين ) أي : للمكلفين . ( ومن آياته ) الدالة على توحيده ، وإخلاص العبادة له ( منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ) بالنهار . وهذا تقديره أي : يصرفكم في طلب