الشيخ الطبرسي
460
تفسير مجمع البيان
مشركين ( 84 ) فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنا لك الكافرون ( 85 ) ) . المعنى : ثم قال سبحانه مخاطبا للكفار الذين جحدوا آيات الله ، وأنكروا أدلته الدالة على توحيده : ( ويريكم آياته ) أي : ويعلمكم حججه ، ويعرفكم إياها ، ومنها إهلاك الأمم الماضية . ووجه الآية فيه أنهم بعد حصولهم في النعم ، صاروا إلى النقم بكفرهم وجحودهم . ومنها الآية في خلق الأنعام التي قدم ذكرها . ووجه الآية فيها تسخيرها لمنافع الخلق بالتصريف في الوجوه التي قد جعل كل شئ منها لما يصلح له ، وذلك يقتضي أن الجاعل لذلك قادر على تصريفه ، عالم بتدبيره . ( فأي آيات الله تنكرون ) هذا توبيخ لهم على الجحد . وقد يكون الانكار والجحد تارة بان يجحد أصلا ، وتارة بان يجحد كونها دالة على صحة ما هي دلالة عليه . والخلاف يكون في ثلاثة أوجه : اما في صحتها في نفسها ، وإما في كونها دلالة ، وإما فيهما جميعا . وإنما يجوز من الجهال دفع الآية بالشبهة مع قوة الآية ، وضعف الشبهة ، لأمور منها : اتباع الهوى ، ودخول الشبهة التي تغطي على الحجة ، حتى لا يكون لها في النفس منزلة ومنها : التقليد لمن ترك النظر في الأمور ومنها : السبق إلى اعتقاد فاسد لشبهة فيمنع ذلك من توليد النظر للعلم . ثم نبههم سبحانه فقال : ( أفلم يسيروا في الأرض ) بان يمروا في جنباتها ( فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم ) عددا ( وأشد قوة ) أي : وأعظم قوة ( وآثارا في الأرض ) بالأبنية العظيمة التي بنوها ، والقصور المشيدة التي شيدوها . وقيل : بمشيهم على أرجلهم على عظم خلقهم ، عن مجاهد . فلما عصوا الله سبحانه ، وكفروا به ، وكذبوا رسله ، أهلكهم الله ، واستأصلهم بالعذاب ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) أي : لم يغن عنهم ما كسبوه من البنيان والأموال شيئا من عذاب الله تعالى وقيل : إن ما في قوله ( فما أغنى ) بمعنى أي . فالمعنى : فأي شئ أغنى عنهم كسبهم ؟ فيكون موضع ( ما ) الأولى نصبا ، وموضع ( ما ) الثانية رفعا . ثم قال سبحانه : ( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات ) أي : فلما أتى هؤلاء الكفار رسلهم الذين دعوهم إلى توحيد الله ، واخلاص العبادة له ، بالحجج والآيات . وفي