الشيخ الطبرسي
413
تفسير مجمع البيان
بين العامل والمعمول . رجعنا إلى كلام أبي علي ، فأما تأمروني ، فالقياس تأمرونني ، ويدغم فيصير تأمروني . وجاز الإدغام وإسكان النون المدغمة ، لأن قبلها حرف لين ، وهو الواو في تأمرونني . ومن خفف فقال تأمروني ، ينبغي أن يكون حذف النون الثانية المصاحبة لعلامة المنصوب المتكلم ، لأنها قد حذفت في مواضع نحو : ( يسوء الفاليات إذا فليني ) ( 1 ) . وإني وكأني وقدي وقدني ، وإنما قدرنا حذف الثانية ، لأن التكرير والتثقيل به وقع ، ولأن حذف الأولى لحن ، لأنها دلالة الرفع ، وعلى هذا يحمل قول الشاعر : أبالموت الذي لابد أني * ملاق لا أباك تخوفيني وفتح الياء من تأمروني ، وإسكانها جميعا ، سائغ حسن . المعنى : لما أخبر الله سبحانه عن حال الكفار ، عقبه بذكر حال الأتقياء الأبرار ، فقال : ( وينجي الله الذين اتقوا ) معاصيه خوفا من عقابه ( بمفازتهم ) أي : بمنجاتهم من النار . وأصل المفازة المنجاة ، وبذلك سميت المفازة على وجه التفاؤل بالنجاة منها ، كما سموا اللديغ ( 2 ) سليما . ( لا يمسهم السوء ) أي : لا يصيبهم المكروه والشدة ( ولا هم يحزنون ) على ما فاتهم من لذات الدنيا . ولما ذكر الوعد والوعيد ، بين سبحانه أنه القادر على كل شئ بقوله : ( الله خالق كل شئ ) أي : محدث كل شئ ومبدعه ( وهو على كل شئ وكيل ) أي : حافظ مدبر ( له مقاليد السماوات والأرض ) واحدها مقليد ومقلاد ، يريد مفاتيح السماوات والأرض بالرزق والرحمة ، عن ابن عباس ، وقتادة . وقيل : خزائن السماوات والأرض يفتح الرزق على من يشاء ، ويغلقه عمن يشاء ، عن الضحاك . ( والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) لأنهم يخسرون الجنة ونعيمها ، ويصلون النار وسعيرها . ثم أعلم سبحانه أنه المعبود لا معبود سواه بقوله : ( قل ) يا محمد لهؤلاء الكفار ( أفغير الله تأمروني أعبد ) أي : أتامرونني أن أعبد غير الله ( أيها الجاهلون ) فيما
--> ( 1 ) هذا عجز بيت من قصيدة لعمرو بن معديكرب ، يصف فيها الشيب وقبله : ( نراه كالثغام يعل مسكا ) وهو مذكور في ( جامع الشواهد ) وقد مر في الكتاب أيضا مرارا . ( 2 ) اللديغ : الذي لسعته الحية أو العقرب .