الشيخ الطبرسي

313

تفسير مجمع البيان

نحن لنوح في دعائه أجبناه إلى ما سأل ، وخلصناه من أذى قومه بإهلاكهم . وقيل : هو على العموم أي : فلنعم المجيبون نحن لمن دعانا . ( ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ) أي : من المكروه الذي كان ينزل به من قومه . والكرب : كل غم يصل حره إلى الصدر . وأصل النجاة من النجوة للمكان المرتفع ، فهي الرفع من الهلاك ، وأهله هم الذين نجوا معه في السفينة . ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) بعد الغرق . فالناس كلهم بعد نوح من ولد نوح ، عن ابن عباس وقتادة ، فالعرب والعجم من أولاد سام بن نوح . والترك والصقالبة والخزر ويأجوج ومأجوج من أولاد يافث بن نوح ، والسودان من أولاد حام بن نوح . قال الكلبي : لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساؤهم . ( وتركنا عليه في الأخرين ) أي : تركنا عليه ذكرا جميلا ، وأثنينا عليه في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحذف ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة . ومعنى تركنا : أبقينا . قال الزجاج : معناه تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة ، وذلك الذكر قوله : ( سلام على نوح في العالمين ) أي : تركنا عليه أن يصلى عليه إلى يوم القيامة فكأنه قال وتركنا عليه التسليم في الآخرين . ثم فسر التسليم بقوله ( سلام على نوح في العالمين ) . قال الكلبي : معناه سلامة منا على نوح ، وهذا هو السلام . والمراد بقوله : ( اهبط بسلام منا وبركات عليك ) . ( إنا كذلك نجزي المحسنين ) أي : جزيناه ذلك الثناء الحسن في العالمين بإحسانه ، عن مقاتل . وقيل : إن معناه مثل ما فعلنا بنوح نجزي كل من أحسن بأفعال الطاعات ، وتجنب المعاصي ، ونكافيهم بإحسانهم ( إنه من عبادنا المؤمنين ) يعني نوحا . وهذه الآية تتضمن مدح المؤمنين حيث خرج من بينهم مثل نوح ( ثم أغرقنا الآخرين ) أي : من لم يؤمن به ، والمعنى : ثم أخبركم أني أغرقت الآخرين . النظم : الوجه في اتصال قصة نوح والأنبياء بما قبلها ، تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كفر قومه بأن حالهم معه شبيهة بحال من تقدم من الأمم مع أنبيائهم ، وتحذير القوم عن سلوك مثل طريقتهم ، لئلا يعاقبوا بمثل عقوبتهم . ( * وإن من شيعته لإبراهيم ( 83 ) إذ جاء ربه بقلب سليم ( 84 ) إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ( 85 ) أئفكا آلهة دون الله تريدون ( 86 ) فما ظنكم برب