الشيخ الطبرسي

297

تفسير مجمع البيان

ثم قال سبحانه : ( رب السماوات والأرض ) أي : خالقهما ومدبرهما ( وما بينهما ) من سائر الأجناس من الحيوان ، والنبات ، والجماد . ( ورب المشارق ) وهي مشارق الشمس أي : مطالعها بعدد أيام السنة ، ثلاثمائة وستون مشرقا ، والمغارب مثل ذلك ، تطلع الشمس كل يوم من مشرق ، وتغرب في مغرب ، عن ابن عباس ، والسدي . وإنما خصن المشارق بالذكر ، لان الشروق قبل الغروب . ( إنا زينا السماء الدنيا ) يعني التي هي أقرب السماوات إلينا . وإنما خصها بالذكر لاختصاصها بالمشاهدة . ( بزينة الكواكب ) أي : بحسنها وضوئها . والتزيين : تحسين الشئ ، وجعله على صورة تميل إليها النفس . فالله سبحانه زين السماء على وجه تمتع الرائي لها . وفي ذلك أعظم النعمة على العباد ، مع ما لهم من المنفعة بالتفكير فيها ، والاستدلال بها على صانعها . ( وحفظا من كل شيطان ) أي : وحفظناها من كل شيطان ( مارد ) أي : خبيث خال من الخير ، متمرد . والمعنى . وحفظناها من دنو كل شيطان للاستماع ، فإنهم كانوا يسترقون السمع ، يستمعون إلى كلام الملائكة ، ويقولون ذلك إلى ضعفة الجن ، وكانوا يوسوسون بها في قلوب الكهنة ، ويوهمونهم أنهم يعرفون الغيب ، فمنعهم الله تعالى عن ذلك . ( لا يسمعون إلى الملا الأعلى ) أي : لكيلا يتسمعوا إلى الكتبة من الملائكة في السماء ، عن الكلبي . وقيل : إلى كلام الملا الأعلى أي . لكيلا يتسمعوا . والملا الأعلى عبارة عن الملائكة لأنهم في السماء . ( ويقذفون من كل جانب ) أي : يرمون بالشهب من كل جانب من جوانب السماء ، إذا أرادوا الصعود إلى السماء للاستماع . ( دحورا ) أي : دفعا لهم بالعنف ، وطردا . ( ولهم عذاب واصب ) أي : ولهم مع ذلك أيضا عذاب دائم يوم القيامة ( إلا من خطف الخطفة ) والتقدير : لا يستمعون إلى الملائكة إلا من وثب الوثبة إلى قريب من السماء ، فاختلس خلسة من الملائكة ، واستلب استلابا بسرعة . ( فأتبعه شهاب ثاقب ) أي : فلحقه وأصابه نار مضيئة محرقة . والثاقب : المنير المضئ . وهذا كقوله : ( إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) .