الشيخ الطبرسي

291

تفسير مجمع البيان

الانسان واقعا بالطبيعة ، لأن الطبيعة في حكم الموات في أنها ليست بحية قادرة ، فكيف يصح منها الفعل ، ولا أن يكون كذلك بالاتفاق لأن المحدث لا بد له من محدث قادر عالم . وفي الآية دلالة على صحة استعمال النظر في الدين ، لأن الله سبحانه أقام الحجة على المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الأولى ، وألزم من أقر بالأولى أن يقر بالثانية . ثم أحل سبحانه الانكار عليه فقال : ( وضرب لنا مثلا ) أي : ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم البالي ، وفته بيده ، وتعجب ممن يقول إن الله يحييه ( ونسي خلقه ) أي : وترك النظر في خلق نفسه ، إذ خلق من نطفة ، ثم بين ذلك المثل بقوله : ( قال من يحيى العظام وهي رميم ) أي : بالية . واختلف في القائل لذلك فقيل : هو أبي بن خلف ، عن قتادة ، ومجاهد ، وهو المروي عن الصادق عليه السلام . وقيل : هو العاص بن وائل السهمي ، عن سعيد بن جبير . وقيل : أمية بن خلف ، عن الحسن . ثم قال سبحانه في الرد عليه : ( قل ) يا محمد لهذا المتعجب من الإعادة ( يحييها الذي أنشأها أول مرة ) لأن من قدر على اختراع ما يبقى ، فهو على إعادته قادر ، لا محالة ( وهو بكل خلق عليم ) من الابتداء والإعادة ، فيعلم به قبل أن يخلقه أنه إذا خلقه كيف يكون ، ويعلم به قبل أن يعيده ، إنه إذا أعاده كيف يكون . ثم زاد سبحانه في البيان ، وأخبر عن صنعه بما هو عجيب الشأن ، فقال : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) أي : جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ للنار نارا محرقة ، يعني بذلك المرخ والعفار ، وهما شجرتان يتخذ الأعراب زنودها منهما ، فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة ، حتى إذا احتاج الانسان ، حك بعضه ببعض ، فتخرج منه النار ، وينقدح ، قدر أيضا على الإعادة . وتقول العرب : ( في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار ) ( 1 ) . وقال الكلبي : كل شجر تنقدح منه النار إلا العناب . ثم ذكر سبحانه من خلقه ما هو أعظم من الانسان ، فقال : ( أوليس الذي خلق

--> ( 1 ) قال ابن منظور بعد ذكر المثل : استمجد : استفضل أي استكثرا من النار ، كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما ، فصلحا للاقتداح بهما .