الشيخ الطبرسي

292

تفسير مجمع البيان

السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) هذا استفهام معناه التقرير ، يعني : من قدر على خلق السماوات والأرض ، واختراعهما مع عظمهما ، وكثرة أجزائهما يقدر على إعادة خلق البشر . ثم أجاب سبحانه هذا الاستفهام بقوله ( بلى ) أي هو قادر على ذلك ( وهو الخلاق ) أي يخلق خلقا بعد خلق ( العليم ) بجميع ما خلق . ثم ذكر قدرته على إيجاد الأشياء فقال : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) والتقدير : أن يكونه فيكون . فعبر عن هذا المعنى بكن لأنه أبلغ فيما يراد ، وليس هنا قول ، وإنما هو إخبار بحدوث ما يريده تعالى . وقيل : إن المعنى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول من أجله كن فيكون . فعبر عن هذا المعنى بكن . وقيل : إن هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله ( كونوا قردة خاسئين ) و ( كونوا حجارة أو حديدا ) وما أشبه ذلك . ولفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه أحدها : الأمر لمن هو دونك والثاني : الندب كقوله ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) . وثالثها : الإباحة نحو قوله ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ) ، ( وإذا حللتم فاصطادوا ) والرابع : الدعاء ( ربنا آتنا من لدنك رحمة ) . الخامس : الترفيه كقوله . أرفق بنفسك السادس : الشفاعة نحو قولك : شفعني فيه السابع : التحويل نحو : ( كونوا قردة خاسئين ) و ( كونوا حجارة أو حديدا ) الثامن : التهديد نحو قوله : ( اعملوا ما شئتم ) التاسع : الاختراع والإحداث نحو قوله : ( كن فيكون ) . العاشر : التعجب نحو ( أبصر بهم وأسمع ) . قال علي بن عيسى في قوله ( كن فيكون ) الأمر ههنا أفخم من الفعل ، فجاء للتفخيم والتعظيم ، قال : ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين ، فإنه إذا أراد فعل شئ فعله بمنزلة ما يقول للشئ كن فيكون في الحال ، وأنشد . فقالت له العينان : سمعا وطاعة ، وحدرتا كالدر لما يثقب وإنما أخبر عن سرعة دمعه ، دون أن يكون ذلك قولا على الحقيقة . ثم نزه سبحانه نفسه من أن يوصف بما لا يليق به فقال : ( فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ ) أي : تنزيها له من نفي القدرة على الإعادة ، وغير ذلك مما لا يليق بصفاته الذي بيده أي : بقدرته ملك كل شئ ، ومن قدر على كل شئ ، قدر على إحياء العظام الرميم ، وعلى خلق كل شئ ، وإفنائه ، وإعادته . ( وإليه ترجعون ) يوم القيامة أي : تردون إلى حيث لا يملك الأمر والنهي أحد سواه ، فيجازيكم بالثواب والعقاب ، على الطاعات والمعاصي ، على قدر أعمالكم .