الشيخ الطبرسي

29

تفسير مجمع البيان

معناه إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ، ما دام فيها . وقيل : معناه أنه ينبغي أن تنهاه كقوله : ( ومن دخله كان آمنا ) . وقال ابن عباس : في الصلاة منهى ، ومزدجر عن معاصي الله ، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي ، لم يزدد من الله إلا بعدا . وقال الحسن وقتادة : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، فليست صلاته بصلاة ، وهي وبال عليه . وروى أنس بن مالك الجهني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! قال : ( إنه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ) . وروي عن ابن مسعود أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( لا صلاة لمن لم يطع الصلاة ، وطاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر ) . ومعنى ذلك : إن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي ، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي ، لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها ، فإن تاب من بعد ذلك ، وترك المعاصي ، فقد تبين أن صلاته كانت نافعة له ناهية ، وإن لم ينته إلا بعد زمان . وروى أنس : أن فتى من الأنصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويرتكب الفواحش ، فوصف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( إن صلاته تنهاه يوما ) . وعن جابر قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن فلانا يصلي بالنهار ، ويسرق بالليل ! فقال : ( إن صلاته لتردعه ) . وروى أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال : من أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل ، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر ، فبقدر ما منعته قبلت منه . ( ولذكر الله أكبر ) أي : ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته ، عن ابن عباس ، وسلمان ، وابن مسعود ، ومجاهد . وقيل : معناه ذكر العبد لربه أكبر مما سواه ، وأفضل من جميع أعماله ، عن سلمان في رواية أخرى ، وابن زيد ، وقتادة ، وروي ذلك عن أبي الدرداء . وعلى هذا فيكون تأويله إن أكبر شئ في النهي عن الفحشاء ذكر العبد ربه ، وأوامره ونواهيه ، وما أعده من الثواب والعقاب ، فإنه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة ، وترك المعصية ، وهو أكبر من كل لطف . وقيل : معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة ، عن أبي مالك . وقيل : إن ذكر الله هو التسبيح والتقديس ، والتهليل ، وهو أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر ، عن الفراء أي : من كان ذاكرا لله ، فيجب أن ينهاه ذكره عن الفحشاء والمنكر .