الشيخ الطبرسي
210
تفسير مجمع البيان
وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ ، من أودية اليمن ، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما ، فسدوا ما بين الجبلين ، فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة ، فكانوا يسقون زروعهم وبساتينهم . فلما كذبوا رسلهم ، وتركوا أمر الله ، بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم ، وفاض الماء عليهم فأغرقهم ، عن وهب . وقد مر تفسير العرم . وقال ابن الأعرابي : العرم السيل الذي لا يطاق . ( وبدلناهم بجنتيهم ) اللتين فيهما أنواع الفواكه ، والخيرات ( جنتين ) أخراوين سماها جنتين لازدواج الكلام ، كما قال ( ومكروا ومكر الله ) ، ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) . ( ذواتي أكل خمط وأثل ) أي : صاحبتي أكل ، وهو اسم لثمر كل شجرة ، وثمر الخمط البرير . قال ابن عباس : والخمط هو الأراك . وقيل : هو شجر الغضا . وقيل : هو كل شجر له شوك . والأثل . الطرفاء ، عن ابن عباس . وقيل : ضرب من الخشب ، عن قتادة . وقيل : هو السمر . ( وشئ من سدر قليل ) يعني : إن الأثل والخمط ، كانا أكثر فيهما من السدر وهو النبق . قال قتادة : كان شجرهم خير شجر ، فصيره الله شر شجر بسوء أعمالهم ( ذلك ) أي : ما فعلنا بهم ( جزيناهم بما كفروا ) أي : بكفرهم . ( وهل نجازي ) بهذا الجزاء ( إلا الكفور ) الذي يكفر نعم الله . وقد استدل الخوارج بهذا على أن مرتكب الكبيرة كافر . وهذا الاستدلال غير سديد من حيث إنه سبحانه ، إنما بين بذلك أنه لا يجازي بهذا النوع من العذاب الذي هو الاستئصال إلا الكافر . ويجوز أن يعذب الفاسق بغير ذلك العذاب . وقيل : إن معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر ، لأن المؤمن قد يكفر عنه بعض سيئاته . وقيل : إن المجازاة من التجازي ، وهو التقاضي أي : لا يقتضي ، ولا يرتجع ما أعطي إلا الكافر . وإنهم لما كفروا النعمة ، اقتضوا ما أعطوا أي : ارتجع منهم ، عن أبي مسلم . ( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ) أي : وقد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم وبين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء والشجر ، قرى متواصلة . وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام ، وكانوا يبيتون بقرية ، ويقيلون بأخرى ، حتى يرجعوا . وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام . ومعنى الظاهرة : أن الثانية كان ترى من الأولى لقربها منها . ( وقدرنا فيها السير ) أي : جعلنا السير من القرية إلى القرية مقدارا واحدا نصف يوم ، وقلنا لهم ( سيروا فيها )