الشيخ الطبرسي

211

تفسير مجمع البيان

أي : في تلك القرى ( ليالي وأياما ) أي : ليلا شئتم المسير ، أو نهارا ( آمنين ) من الجوع ، والعطش ، والتعب ، ومن السباع ، وكل المخاوف . وفي هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر ، كما أنه كذلك في الحضر . ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا وبغوا ، ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) أي : اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز ، لنركب إليها الرواحل ، ونقطع المنازل . وهذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة ( أخرج إلينا مما تنبت الأرض من بقلها ) بدلا من المن والسلوى . ( وظلموا أنفسهم ) بارتكاب المعاصي ، والكفر ( فجعلناهم أحاديث ) لمن بعدهم ، يتحدثون بأمرهم وشأنهم ، ويضربون بهم المثل ، فيقولون : ( تفرقوا أيادي سبأ ) إذا تشتتوا أعظم التشتت . ( ومزقناهم كل ممزق ) أي . فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق ( إن في ذلك لأيات ) أي : دلالات ( لكل صبار ) على الشدائد ( شكور ) على النعماء . وقيل : لكل صبار عن المعاصي ، شكور للنعم بالطاعات . القصة : عن الكلبي ، عن أبي صالح قال : ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقياء بن ماء السماء ، وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب ، وأنه سيأتي سيل العرم ، فيخرب الجنتين . فباع عمرو بن عامر أمواله ، وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة ، فأقاموا بها وما حولها ، فأصابتهم الحمى ، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى ، فدعوا طريفة ، فشكوا إليها الذي أصابهم ، فقالت لهم . قد أصابني الذي تشكون ، وهو مفرق بيننا . قالوا : فماذا تأمرين ؟ قالت . من كان منكم ذا هم بعيد ، وجمل شديد ، ومزاد جديد ، فليلحق بقصر عمان المشيد ، وكانت أزد عمان . ثم قالت : من كان منكم ذا جلد وقسر ، وصبر على أزمات الدهر ، فعليه بالأراك من بطن مر ، وكانت خزاعة . ثم قالت : من كان منكم يريد الراسيات في الوحل ، المطعمات في المحل ، فليلحق بيثرب ذات النخل ، وكانت الأوس والخزرج . ثم قالت : من كان منكم يريد الخمر والخمير ، والملك والتأمير ، وملابس التاج والحرير ، فليلحق ببصرى وغوير ، وهما من أرض الشام ، وكان الذين سكنوها آل جفنة بن غسان . ثم قالت : من كان منكم يريد الثياب الرقاق ، والخيل العتاق ، وكنوز الأرزاق ، والدم المهراق ، فليلحق بأرض العراق ، وكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش ، ومن كان بالحيرة ، وآل محرق .