الشيخ الطبرسي
188
تفسير مجمع البيان
ورابعها : إن معنى العرض والإباء ليس هو ما يفهم بظاهر الكلام ، بل المراد تعظيم شأن الأمانة ، لا مخاطبة الجماد . والعرب تقول : سألت الربع ، وخاطبت الدار ، فامتنعت عن الجواب ، وإنما هو إخبار عن الحال عبر عنه بذكر الجواب والسؤال ، وتقول : أتى فلان بكذب لا تحمله الجبال . وقال سبحانه : ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) ، وخطاب من لا يفهم لا يصح . وقال الشاعر : فأجهشت للبوباة حين رأيته ، * وكبر للرحمن حين رآني ( 1 ) فقلت له : أين الذين عهدتهم * بجنبك في خفض ، وطيب زمان ( 2 ) فقال : مضوا واستودعوني بلادهم ، * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان وقال آخر : فقال لي البحر إذ جئته * وكيف يجيب ضرير ضريرا فالأمانة على هذا ، ما أودع الله السماوات والأرض والجبال ، من الدلائل على وحدانيته وربوبيته ، فأظهرتها ، والإنسان الكافر كتمها وجحدها لظلمه وجهله ، وبالله التوفيق . ولم يرد بقوله الانسان جميع الناس ، بل هو مثل قوله ( إن الانسان لفي خسر ، و ( إن الانسان لربه لكنود ) و ( فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه ) ، والأنبياء ، والأولياء ، والمؤمنون ، عن عموم هذه الآية خارجون . ولا يجوز أن يكون الانسان محمولا على آدم عليه السلام لقوله : ( إن الله اصطفى آدم ) وكيف يكون من اصطفاه الله من بين خلقه موصوفا بالظلم والجهل . ثم بين سبحانه الغرض الصحيح والحكمة البالغة في عرضه هذه الأمانة فقال : ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) يعني بتضييع الأمانة . قال الحسن : هما اللذان حملاهما ظلما وجهلا ( ويتوب الله على المؤمنين
--> ( 1 ) نسب الأبيات في الأغاني إلى مجنون قوله : ( فأجهشت للبوباة ) كذا في السنخ . وأجهشت أي : فرغت ، والبوباة : الفلاة . وعقبة كؤود بطريق اليمن . لكن في أمالي الشريف ( ره ) ج 2 ص 310 ، ومعجم البلدان ج 2 : 55 ، والأغاني ج 1 : 179 ( للتوباذ ) . وقال في المعجم : إنه جبل في نجد . ويحتمل التصحيف . ( 2 ) وفي بعض النسخ : ( وطول زمان ) .