الشيخ الطبرسي
187
تفسير مجمع البيان
باء بالإثم يسمى حاملا للإثم ، وهو قول الحسن ، لأنه قال : الكافر والمنافق حملا الأمانة أي : خانا ولم يطيعا ، وأنشد بعضهم في حمل الأمانة بمعنى الخيانة ، قول الشاعر . إذا أنت لم تبرح تؤذي أمانة ، وتحمل أخرى ، أفرحتك الودائع ( 1 ) وأقول : إن الظاهر لا يدل على ذلك ، لأنه لا يجوز أن يكون المراد بالحمل هنا قبول الأمانة ، لأن الشاعر جعله في مقابلة الأداء ، فكأنه قال : إذا كنت لا تزال تقبل أمانة ، وتؤدي أخرى ، شغلت نفسك بقبول الودائع وأدائها فأثقلتك . وثانيها : إن معنى عرضنا عارضنا وقابلنا ، فإن عرض الشئ على الشئ ومعارضته به سواء . والأمانة : ما عهد الله سبحانه إلى عباده من أمره ونهيه ، وأنزل فيه الكتب ، وأرسل الرسل ، وأخذ عليه الميثاق . والمعنى : إن هذه الأمانة في جلالة موقعها ، وعظم شأنها ، لو قيست بالسماوات والأرض والجبال ، وعورضت بها ، لكانت هذه الأمانة أرجح وأثقل وزنا . ومعنى قوله ( فأبين أن يحملنها ) : ضعفن عن حملها كذلك ، ( وأشفقن منها ) لأن الشفقة ضعف القلب ، ولذلك صار كناية عن الخوف الذي يضعف عنده القلب . ثم قال : إن هذه الأمانة التي من صفتها أنها أعظم من هذه الأشياء العظيمة ، تقلدها الانسان فلم يحفظها ، بل حملها وضيعها لظلمه على نفسه ، ولجهله بمبلغ الثواب والعقاب ، عن أبي مسلم . وثالثها : إنه على وجه التقدير إلا أنه أجري عليه لفظ الواقع ، لأن الواقع أبلغ من المقدر . معناه : لو كانت السماوات والأرض والجبال عاقلة ، ثم عرضت عليها الأمانة ، وهي وظائف الدين أصولا وفروعا ، وما ذكرناه من الأقاويل فيها ، بما فيها من الوعد والوعيد ، عرض تخيير ، لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها ، وشدتها ، وقوتها ، ولامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقها ، ثم حملها الانسان مع ضعف جسمه ، ولم يخف الوعيد لظلمه وجهله . وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على نفس السماوات والأرض فامتنعت من حملها .
--> ( 1 ) فمعنى قوله : ( وتحمل أخرى ) أي : تخونها ولا تؤديها . يدل على ذلك قوله : ( أفرحتك الودائع ) أي : أثقلتك الأمانات التي تخونها ، ولا تؤديها . وهذا أحد المعنيين في البيت ، والمعنى الآخر ما ذكره المصنف ( ره ) .