الشيخ الطبرسي

129

تفسير مجمع البيان

إسحاق ، عن البراء قالوا : ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الخندق ، أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف والغابة ( 1 ) ، في عشرة آلاف من أحابيشهم ( 2 ) ، ومن تابعهم من بني كنانة ، وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا إلى جانب أحد ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ( 3 ) ، في ثلاثة آلاف من المسلمين . فضرب هناك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم . وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام ( 4 ) ، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري ، حتى أتى كعب بن أسد القرظي ، صاحب بني قريظة ، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قومه ، وعاهده على ذلك . فلما سمع كعب صوت ابن أخطب ، أغلق دونه حصنه ، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه : يا كعب ! إفتح لي . فقال : ويحك يا حيي ! إنك رجل مشؤوم . إني قد عاهدت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ولست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا . قال : ويحك إفتح لي أكلمك ! قال : ما أنا بفاعل . قال : إن أغلقت دوني إلا على حشيشة ، تكره أن آكل منها معك ، فأحفظ الرجل ( 5 ) . ففتح له فقال : ويحك يا كعب ! جئتك بعز الدهر ، وببحر طام ( 6 ) . جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، وبغطفان على سادتها وقادتها . قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه ! فقال كعب . جئتني والله بذل الدهر بجهام ( 7 ) قد هراق ماؤه ، يرعد ويبرق وليس فيه شئ ، فدعني ومحمدا ، وما أنا عليه . فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب ( 8 ) ، حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا ، أن أدخل معك

--> ( 1 ) الجرف : موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام . والغابة أيضا : بينها وبين جبل سلع ثمانية أميال ، قاله الحموي في المعجم . ( 2 ) الأحابيش : الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة . ( 3 ) سلع . جبل بالمدينة . ( 4 ) الآطام : الأبنية المرتفعة كالحصون . ( 5 ) أحفظه : بمعنى أغضبه . ( 6 ) طم الماء : كثر . ( 7 ) الجهام : السحاب . ( 8 ) أي . يدور من وراء خديعته .