الشيخ الطبرسي

464

تفسير مجمع البيان

المعنى : ( تلك الدار الآخرة ) يعني الجنة ( نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ) أي : تجبرا وتكبرا على عباد الله ، واستكبارا عن عبادة الله ( ولا فسادا ) أي : عملا بالمعاصي ، عن ابن جريج ، ومقاتل . وروى زاذان عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يمشي في الأسواق وحده ، وهو دال يرشد الضال ، ويعين الضعيف ، ويمر بالبياع والبقال ، فيفتح عليه القرآن ، ويقرأ ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) ويقول : نزلت هذه الآية في أهل العدل ، والمواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس . وروى أبو سلام الأعرج عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضا قال : إن الرجل ليعجبه شراك نعله ، فيدخل في هذه الآية : ( تلك الدار الآخرة ) الآية . يعني أن من تكبر على غيره بلباس يعجبه ، فهو ممن يريد علوا في الأرض . قال الكلبي : يعني بقوله ( فسادا ) الدعاء إلى عبادة غير الله . وقال عكرمة : هو أخذ المال بغير حق . ( والعاقبة للمتقين ) أي : والعاقبة الجميلة ، المحمودة من الفوز بالثواب ، للذين اتقوا الشرك والمعاصي . وقيل : معناه الجنة لمن اتقى عقاب الله بأداء فرائضه ، واجتناب معاصيه . ( من جاء بالحسنة فله خير منها ) مضى تفسيره ) ( ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) أي : لا يزاد في عقابهم على قدر استحقاقهم ، بخلاف الزيادة في الفضل على الثواب المستحق ، فإنه يكون تفضلا ، فهو مثل قوله ( ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) . ( إن الذي فرض عليك القرآن ) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى : إن الذي أوجب عليك الامتثال بما تضمنه القرآن ، وأنزله عليك ( لرادك إلى معاد ) أي : يردك إلى مكة ، عن ابن عباس ومجاهد والجبائي . وعلى هذا فيكون في الآية دلالة على صحة النبوة ، لأنه أخبر به من غير شرط ، ولا استثناء ، وجاء المخبر مطابقا للخبر . قال القتيبي : معاد الرجل : بلده ، لأنه يتصرف في البلاد ، ثم يعود إليه . وقيل : إلى معاد : إلى الموت ، عن ابن عباس في رواية أخرى وعن أبي سعيد الخدري قيل : إلى المرجع يوم القيامة أي : يعيدك بعد الموت كما بدأك ، عن الحسن والزهري وعكرمة وأبي مسلم . وقيل : إلى الجنة عن مجاهد وأبي صالح . فالمعنى : إنه مميتك ، وباعثك ، ومدخلك الجنة . والظاهر يقتضي أنه العود إلى مكة ، لأن ظاهر العود يقتضي ابتداء ، ثم عودا إليه ، على أنه يجوز أن يقال : الجنة معاد ، وإن لم