الشيخ الطبرسي

414

تفسير مجمع البيان

بيوت مصر ، فأحرقت القبط ، وتركت بني إسرائيل . فسأل علماء قومه ، فقالوا له : يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يده . ( إنه كان من المفسدين ) بالقتل ، والعمل بالمعاصي . ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) المعنى : إن فرعون كان يريد إهلاك بني إسرائيل ، وافناءهم . ونحن نريد أن نمن عليهم . ( ونجعلهم أئمة ) أي : قادة ورؤساء في الخير يقتدى بهم ، عن ابن عباس . وقيل : نجعلهم ولاة وملوكا ، عن قتادة . وهذا القول مثل الأول ، لأن الذين جعلهم الله ملوكا ، فهم أئمة ، ولا يضاف إلى الله سبحانه ملك من يملك الناس عدوانا وظلما . وقد قال سبحانه : ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ) والملك من الله تعالى هو الذي يجب أن يطاع . فالأئمة على هذا ملوك مقدمون في الدين والدنيا ، يطأ الناس أعقابهم . ( ونجعلهم الوارثين ) لديار فرعون وقومه ، وأموالهم . وقد صحت الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها ، عطف الضروس على ولدها ( 1 ) . وتلا عقيب ذلك : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) الآية وروى العياشي بالإسناد عن أبي الصباح الكناني ، قال : نظر أبو جعفر عليه السلام إلى عبد الله عليه السلام ، فقال : هذا والله من الذين قال الله تعالى ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) الآية . وقال سيد العابدين ، علي بن الحسين عليه السلام : والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ، إن الأبرار منا أهل البيت ، وشيعتهم ، بمنزلة موسى وشيعته ، وإن عدونا وأشياعهم ، بمنزلة فرعون وأشياعه . ( ونمكن لهم في الأرض ) أي : ونريد أن نمكن لبني إسرائيل في أرض مصر . والتمكين : هو فعل جميع ما لا يصح الفعل إلا معه ، مع القدرة ، والآلة ، واللطف ، وغير ذلك . وقال علي بن عيسى : اللطف لا يدخل في التمكين ، لأنه لو دخل فيه ، لكان من لا لطف له لم يكن ممكنا ، ولكنه من باب إزاحة العلة . ( ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ) أي : من بني إسرائيل ( ما كانوا يحذرون ) من ذهاب الملك على يد رجل منهم . قال الضحاك : عاش فرعون أربعمائة سنة ، وكان قصيرا .

--> ( 1 ) شمس الفرس شماسا : كان لا يمكن أحدا من ظهره ، ولا من الإسراج ، ولا الإلجام ، ولا يكاد يستقر . والضروس : الناقة السيئة الخلق تعض حالبيها