الشيخ الطبرسي
371
تفسير مجمع البيان
السماء والأرض ، لما خافت النمل أن يطؤوها بأرجلهم . ولعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله الريح سليمان . فإن قيل : كيف عرفت النملة سليمان وجنوده حتى قالت هذه المقالة ؟ قلنا : إذا كانت مأمورة بطاعته ، فلا بد أن يخلق لها من الفهم ما تعرف به أمور طاعته ، ولا يمتنع أن يكون لها من الفهم ما يستدرك به ذلك ، وقد علمنا أنه تشق ما تجمع من الحبوب بنصفين ، مخافة أن يصيبها الندى فتنبت ، إلا الكزبرة فإنها تكسرها بأربع قطع ، لأنها تنبت إذا شقت بنصفين . فمن هداها إلى هذا فإنه جل جلاله يهديها إلى تمييز ما يحطمها مما لا يحطمها . وقيل : إن ذلك كان منها على سبيل المعجز الخارق للعادة لسليمان عليه السلام . قال ابن عباس : فوقف سليمان بجنوده حتى يدخل النمل مساكنه ( فتبسم ) سليمان ( ضاحكا من قولها ) وسبب ضحك سليمان التعجب ، وذلك أن الانسان إذا رأى ما لا عهد له به ، تعجب وضحك . وقيل : إنه تبسم بظهور عدله حيث بلغ عدله في الظهور مبلغا عرفه النمل . وقيل : إن الريح أطارت كلامها إليه من ثلاثة أميال حتى سمع ذلك ، فانتهى إليها ، وهي تأمر النمل بالمبادرة ، فتبسم من حذرها . ( وقال رب أوزعني ) أي : ألهمني ( أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ) بأن علمتني منطق النمل ، وأسمعتني قولها من بعيد ، حتى أمكنني الكف ، وأكرمتني بالنبوة ، والملك . ( وعلى والدي ) أي : أنعمت على والدي بأن أكرمته بالنبوة ، وفصل الخطاب ، وألنت له الحديد ، وعلى والدتي بأن زوجتها نبيك ، وجعل النعمة عليها نعمة لله سبحانه عليه ، يلزمه شكرها . ( وأن أعمل صالحا ترضاه ) أي : وفقني لأن أعمل صالحا في المستقبل ترضاه ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) قال ابن عباس : يعني إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ومن بعدهم من النبيين أي : أدخلني في جملتهم ، وأثبت اسمي مع أسمائهم ، واحشرني في زمرتهم . وقال ابن زيد : ( في عبادك ) معناه : مع عبادك . قال الزجاج : جاء لفظ ( ادخلوا ) كلفظ ما يعقل ، لأن النمل ههنا أجري مجرى الآدميين ، حتى نطق كما ينطق الآدميون . وإنما يقال لما لا يعقل : ادخلي . وفي الخبر : دخلت أو دخلن . وروي أن نمل سليمان هذا كان كأمثال الذئاب والكلاب !