الشيخ الطبرسي

207

تفسير مجمع البيان

آلهة إلا الله لفسدتا ) . وفي هذا دلالة عجيبة في التوحيد ، وهو أن كل واحد من الآلهة من حيث يكون إلها ، يكون قادرا لذاته ، فيؤدي إلى أن يكون قادرا على كل ما يقدر عليه غيره من الآلهة ، فيكون غالبا ومغلوبا من حيث إنه قادر لذاته . وأيضا فإن من ضرورة كل قادرين صحة التمانع بينهما . فلو صح وجود إلهين ، صح التمانع بينهما من حيث إنهما قادران ، وامتنع التمانع بينهما من حيث إنهما قادران للذات ، وهذا محال . وفي هذا دلالة على إعجاز القرآن ، لأنه لا يوجد في كلام العرب كلمة وجيزة تضمنت ما تضمنته هذه ، فإنها قد تضمنت دليلين باهرين على وحدانية الله ، وكمال قدرته . ثم نزه نفسه عما وصفوه به فقال : ( سبحان الله عما يصفون ) أي : عما يصفه به المشركون من اتخاذه الولد والشريك . ( عالم الغيب والشهادة ) أي : يعلم ما غاب وما حضر ، فلا يخفى عليه شئ ( فتعالى الله عما يشركون ) والمعنى : إنه عالم بما كان ، وبما سيكون ، وبما لم يكن أن لو كان كيف يكون . ومن كان بهذه الصفة ، لا يكون له شريك ، لأنه الأعلى من كل شئ في صفته . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ( قل ) يا محمد ( رب إما تريني ما يوعدون ) أي : إن أريتني ما يوعدون من العذاب والنقمة ، يعني القتل يوم بدر ( رب فلا تجعلني في القوم الظالمين ) أي : مع القوم الظالمين . والمعنى : فأخرجني من بينهم عندما تريد إحلال العذاب بهم ، لئلا يصيبني ما يصيبهم . وفي هذا دلالة على جواز أن يدعو الانسان بما يعلم أن الله يفعله لا محالة ، لأن من المعلوم أن الله تعالى لا يعذب أنبياءه مع المعذبين . ويكون الفائدة في ذلك إظهار الرغبة إلى الله . ( وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ) هذا ابتداء كلام من الله تعالى معناه : إنا لا نعاجلهم بالعقوبة مع قدرتنا على ذلك ، ولكن ننظرهم ونمهلهم لمصلحة توجب ذلك . قال الكلبي : هذا أمر شهده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته . وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في حجة الوداع وهو بمعنى : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفني في كتيبة يضاربونكم . قال : فغمز من خلف منكبه الأيسر ، فالتفت فقال : أو على فنزل : ( قل رب إما تريني ) الآيات .