الشيخ الطبرسي
208
تفسير مجمع البيان
ثم أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال : ( إدفع بالتي هي أحسن السيئة ) أي : إدفع بالإغضاء والصفح إساءة المسئ ، عن مجاهد ، والحسن . وهذا قبل الأمر بالقتال . وقيل : معناه إدفع باطلهم ببيان الحجج على ألطف الوجوه ، وأوضحها ، وأقربها إلى الإجابة والقبول . ( نحن أعلم بما يصفون ) أي : بما يكذبون ويقولون من الشرك . والمعنى : إنا نجازيهم بما يستحقونه . ثم أمره صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( وقل ) يا محمد ( رب أعوذ بك ) أي : أعتصم بك ( من همزات الشياطين ) أي : من نزعاتهم ووساوسهم ، عن ابن عباس ، والحسن . والمعنى : من دعائهم إلى الباطل والعصيان ، ومن شرورهم في كل شئ يخاف فيه من ذلك ( وأعوذ بك رب أن يحضرون ) أي : يشهدوني ، ويقاربوني ، ويصدوني عن طاعتك . وقيل : معناه أن يحضروني في الصلاة عند تلاوة القرآن . وقيل : في الأحوال كلها . ثم عاد سبحانه إلى قوله ( أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ) فقال : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون ) يعني : إن هؤلاء الكفار إذا أشرفوا على الموت سألوا الله تعالى عند ذلك الرجعة إلى دار التكليف ، فيقول أحدهم : رب ارجعون على لفظ الجمع ، وفي معناه قولان أحدهما : إنهم استغاثوا أولا بالله ، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة ، فقالوا لهم : ارجعون أي : ردوني إلى الدنيا ، عن ابن جرير والآخر : إنه على عادة العرب في تعظيم المخاطب ، كما قال : ( قرة عين لي ولك لا تقتلوه ) . وروى النضر بن شميل قال : سألوا الخليل عن هذا ، ففكر ثم قال : سألتموني عن شئ لا أحسنه ، ولا أعرف معناه . فاستحسن الناس منه ذلك . ( لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) أي : في تركتي . والمعنى : أؤدي عنها حق الله تعالى ، وقيل : معناه في دنياي ، فإنه ترك الدنيا ، وصار إلى الآخرة . وقيل : معناه أعمل صالحا فيما فرطت وضيعت أي : في صلاتي ، وصيامي ، وطاعاتي . وقال الصادق عليه السلام : إنه في مانع الزكاة يسأل الرجعة عند الموت . ثم قال سبحانه في الجواب عن سؤالهم : ( كلا ) أي : لا يرجع إلى الدنيا ( إنها ) أي : مسألة الرجعة ( كلمة هو قائلها ) أي : كلام يقوله ، ولا فائدة له في ذلك . وقيل : معناه وهي كلمة يقولها بلسانه ، وليس لها حقيقة ، مثل قوله : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) . وروى العياشي بإسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني ،