الشيخ الطبرسي

181

تفسير مجمع البيان

بلغ إلى قوله ( خلقا آخر ) خطر بباله ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) فلما أملاها رسول الله كذلك ، قال عبد الله : إن كان نبيا يوحى إليه ، فأنا نبي يوحى إلي ! فلحق بمكة مرتدا . ولو صح هذا ، فإن هذا القدر لا يكون معجزا ، ولا يمتنع أن يتفق ذلك من الواحد منا ، لكن هذا الشقي إنما اشتبه عليه ، أو شبه على نفسه ، لما كان في صدره من الكفر والحسد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم . ( ثم إنكم بعد ذلك ) أي : بعدما ذكرنا من تمام الخلق ( لميتون ) عند انقضاء آجالكم ( ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) أي : تحشرون إلى الموقف ، والحساب ، والجزاء . أخبر الله سبحانه أن هذه البنية العجيبة المبنية على أحسن إتقان وإحكام ، تنقض بالموت لغرض صحيح ، وهو البعث والإعادة . وهذا لا يمنع من الإحياء في القبور ، لأن إثبات البعث في القيامة ، لا يدل على نفي ما عداه . ألا ترى أن الله سبحانه أحيى الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوف ، وأحيا قوم موسى على الجبل بعد ما أماتهم . وفي الآية دلالة على فساد قول النظام في أن الانسان هو الروح . وقول معمر : إن الانسان شئ لا ينقسم وإنه ليس بجسم . ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ) أي : سبع سماوات كل سماء طريقة وسميت بذلك لتطارقها ، وهو أن بعضها فوق بعض . وقيل : لأنها طرائق الملائكة ، عن الجبائي . وقيل : الطرائق الطباق ، وكل طبقة طريقة ، عن ابن زيد . وقيل : إن ما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام ، وكذلك ما بين السماء والأرض ، عن الحسن . ( وما كنا عن الخلق غافلين ) إذ بنينا فوقهم سبع سماوات ، أطلعنا فيها الشمس ، والقمر ، والكواكب . وقيل : معناه ما خلقناهم عبثا ، بل خلقناهم عالمين بأعمالهم وأحوالهم ، عن الجبائي . وفي هذا دلالة على أنه عالم بجميع المعلومات ، وفيه زجر عن السيئات ، وترغيب في الطاعات . ( وأنزلنا من السماء ماء ) أي : مطرا وغيثا ( بقدر ) أي : بقدر الحاجة ، لا يزيد على ذلك فيفسد ، ولا ينقص عنه فيهلك ، بل على ما توجبه المصلحة ( فأسكناه في الأرض ) أي : جعلنا له الأرض مسكنا ، جمعناه فيه لينتفع به . يريد ما يبقى في المستنقعات والدحلان ( 1 ) . أقر الله الماء فيها لينتفع الناس بها في الصيف عند انقطاع

--> ( 1 ) الدحلان جمع الدحل : المصنع يجمع الماء .