الشيخ الطبرسي

12

تفسير مجمع البيان

فقال : ( وهل أتاك حديث موسى ) هذا ابتداء إخبار من الله تعالى على وجه التحقيق ، إذ لم يبلغه حديث موسى فهو كما يخبر الانسان غيره بخبر على وجه التحقيق ، فيقول : هل سمعت بخبر فلان . وقيل : إنه استفهام تقرير بمعنى الخبر أي : وقد أتاك حديث موسى ( إذ رأى نارا ) عن ابن عباس قال : وكان موسى رجلا غيورا ، لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته ، فلما قضى الأجل ، وفارق ( مدين ) ، خرج ومعه غنم له . وكان أهله على أتان ، وعلى ظهرها جوالق فيها أثاث البيت . فأضل الطريق في ليلة مظلمة ، وتفرقت ماشيته ، ولم ينقدح زنده وامرأته في الطلق . فرأى نارا من بعيد كانت عند الله نورا ، وعند موسى نارا ( فقال ) عند ذلك ( لأهله ) وهي بنت شعيب كان تزوجها بمدين ( امكثوا ) أي : ألزموا مكانكم . قال مقاتل . وكانت ليلة الجمعة في الشتاء . والفرق بين المكث والإقامة : أن الإقامة تدوم ، والمكث لا يدوم ( إني آنست نارا ) أي . أبصرت نارا ( لعلي آتيكم منها بقبس ) أي . بشعلة أقتبسها من معظم النار تصطلون بها ( أو أجد على النار هدى ) أي : أجد على النار هاديا يدلني على الطريق . وقيل : علامة استدل بها على الطريق . والهدى : ما يهتدى به فهو اسم ومصدر . قال السدي : لأن النار لا تخلو من أهل لها ، وناس عندها ( فلما أتاها ) قال ابن عباس لما توجه نحو النار ، فإذا النار في شجرة عناب ، فوقف متعجبا من حسن ضوء تلك النار ، وشدة خضرة تلك الشجرة ، فسمع النداء من الشجرة وهو قوله : ( نودي يا موسى إني أنا ربك ) . والنداء : الدعاء على طريقة يا فلان . فمن فتح الألف من ( أني ) فالمعنى : نودي بأني . ومن كسر فالمعنى نودي فقيل : إني أنا ربك الذي خلقك ودبرك . قال وهب : نودي من الشجرة فقيل : يا موسى ! فأجاب سريعا ما يدري من دعاه ، فقال : إني أسمع صوتك ، ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك ، وأقرب إليك من نفسك . فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربه ، عز وجل ، وأيقن به . وإنما علم موسى عليه السلام أن ذلك النداء من قبل الله تعالى لمعجز أظهره الله سبحانه كما قال في موضع آخر ( إني أنا الله رب العالمين . وأن ألق عصاك ) إلى آخره . وقيل : إنه لما رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها تتوقد فيها نار بيضاء ، وسمع تسبيح الملائكة ، ورأى نورا عظيما لم تكن الخضرة تطفئ النار ، ولا النار تحرق الخضرة ، تحير وعلم أنه معجز خارق للعادة ، وأنه لأمر عظيم ، فألقيت عليه السكينة . ثم نودي : ( إني أنا ربك ) وإنما كرر الكناية لتأكيد الدلالة ، وإزالة الشبهة ، وتحقيق المعرفة .