الشيخ الطبرسي

30

تفسير مجمع البيان

* ( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) * أي : مثل الحق والباطل . وضرب المثل تسييره في البلاد حتى يتمثل به في الناس * ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) * أي : باطلا متفرقا بحيث لا ينتفع به * ( وأما ما ينفع الناس ) * هو الماء الصافي ، والأعيان التي ينتفع بها * ( فيمكث في الأرض ) * فينتفع به الناس ، فمثل المؤمن واعتقاده كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شئ به ، وكمثل نفع الذهب والفضة ، وسائر الأعيان المنتفع بها ، ومثل الكافر وكفره كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء ، وكمثل خبث الحديد ، وما تخرجه النار من وسخ الذهب والفضة الذي لا ينتفع به . * ( كذلك يضرب الله الأمثال ) * للناس في أمر دينهم . قال قتادة : هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد ، شبه نزول القرآن بالماء الذي ينزل من السماء ، وشبه القلوب بالأودية والأنهار ، فمن استقصى في تدبره ، وتفكر في معانيه ، أخذ حظا عظيما منه كالنهر الكبير الذي يأخذ الماء الكثير ، ومن رضي بها أداه إلى التصديق بالحق على الجملة كان أقل حظا منه كالنهر الصغير ، فهذا مثل . ثم شبه الخطوات ووساوس الشيطان بالزبد يعلو على الماء ، وذلك من خبث التربة ، لا عين الماء . كذلك ما يقع في النفس من الشكوك فمن ذاتها ، لا من ذات الحق . يقول : فكما يذهب الزبد باطلا ، ويبقى صفوة الماء ، كذلك يذهب مخايل الشك هباء باطلا ، ويبقى الحق ، فهذا مثل ثان . والمثل الثالث قوله : * ( ومما توقدون عليه في النار ) * إلى آخره ، فالكفر مثل هذا الخبث الذي لا ينتفع به ، والإيمان مثل الماء الصافي الذي ينتفع به . وتم الكلام عند قوله : * ( يضرب الله الأمثال ) * . ثم استأنف بقوله * ( للذين استجابوا لربهم الحسنى ) * عن الحسن والبلخي . وقيل : بل يتصل بما قبله ، لأن معناه : ان الذي يبقى مثل الذين استجابوا لربهم ، والذي يذهب جفاء مثل الذي لا يستجيب . والمراد به للذين استجابوا دعوة الله ، وآمنوا به وأطاعوه ، الحسنى ، وهي الجنة ، عن الحسن والجبائي . وقيل : معناه الخصلة الحسنى ، والحالة الحسنى ، وهي صفة الثواب والجنة أيضا ، عن أبي مسلم * ( والذين لم يستجيبوا له ) * أي : لله ، فلم يؤمنوا به * ( لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ) * أي : جعلوا ذلك فدية أنفسهم من العذاب ، لم يقبل ذلك منهم * ( أولئك لهم سوء الحساب ) * قيل فيه أقوال أحدها : ان سوء الحساب أخذهم بذنوبهم كلها من دون ان يغفر لهم شئ منها ، عن إبراهيم النخعي ، ويؤيد ذلك ما