الشيخ الطبرسي
86
تفسير مجمع البيان
الخاسرون ) خسروا أنفسهم وأهلكوها بفعل المعاصي المؤدية إلى الهلاك . ووردت الرواية ، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : ما أشبه الليلة بالبارحة كالذين من قبلكم ، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم ، لا أعلم إلا أنه قال : والذي نفسي بيده ! لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه . وروي مثل ذلك عن أبي هريرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ، ذراعا بذراع ، وشبرا بشبر ، وباعا بباع ، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب ، لدخلتموه ! قالوا : يا رسول الله ! كما صنعت فارس ، والروم ، وأهل الكتاب ؟ قال : فهل الناس إلا هم ؟ وقال عبد الله بن مسعود : أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل ، سمتا وهديا ( 1 ) ، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة ( 2 ) ، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا . وقال حذيفة : المنافقون الذين فيكم اليوم ، شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قلنا : وكيف ؟ قال : أولئك كانوا يخفون نفاقهم ، وهؤلاء أعلنوه . أورد ذلك جميعا الثعلبي في تفسيره . ثم قال سبحانه ( ألم يأتهم ) أي : ألم يأت هؤلاء المنافقين الذين وصفهم ( نبأ الذين من قبلهم ) أي : خبر من كان قبلهم ( قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين ) : ذكر سبحانه الأمم الماضية ، والقرون السالفة ، وانه سبحانه أهلكها ، ودمر عليها ، لتكذيبها رسلها ، لئلا يأمنوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك ، فأهلك سبحانه قوم نوح بالغرق ، وعادا قوم هود بالريح الصرصر ، وثمود قوم صالح بالرجفة ، وقوم إبراهيم بسلب النعمة ، وهلاك نمرود ، وأصحاب مدين وهي البلدة التي فيها قوم شعيب بعذاب يوم الظلة . وقيل : إن مدين اسم نسبت البلد إليه وقد مر ذكره . ( والمؤتفكات ) أي : المنقلبات ، وهي ثلاث قرى ، كان فيها قوم لوط ، ولذلك جمعها بالألف والتاء ، عن الحسن ، وقتادة . وقال في موضع آخر . ( والمؤتفكة أهوى ) فجاء بها على طريق الجنس ، أهلكهم الله بالخسف ، وقلب المدينة عليهم ( أتتهم رسلهم بالبينات ) أي : بالحجج والمعجزات ( فما كان الله
--> ( 1 ) السمت : الهيئة . والهدي : السيرة والطريقة . ( 2 ) القذة : ربش السهم . قال ابن الأثير في معنى الحديث : يضرب مثلا للشيئين يستويان ، ولا يتفاوتان .