الشيخ الطبرسي

61

تفسير مجمع البيان

كان قبيحا ، ووقع صغيرا ، لأنه لا يقال في المباح لم فعلته ، وهذا غير صحيح لأنه يجوز أن يقال فيما غيره أفضل منه لم فعلته ، كما يقول القائل لغيره ، إذا رآه يعاتب أخا له ، لم عاتبته وكلمته بما يشق عليه . وإن كان يجوز له معاتبته بما يشق عليه ، وكيف يكون إذنه لهم قبيحا ، وقد قال سبحانه في موضع آخر : ( فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ) . وقيل : معناه أدام الله لك العفو ، لم أذنت لهؤلاء في الخروج ، لأنهم استأذنوا فيه تملقا ، ولو خرجوا لأرادوا الخبال والفساد ، ولم يعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ذلك من سريرتهم ، عن أبي مسلم ( حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) أي : حتى تعرف من له العذر منهم في التخلف ، ومن لا عذر له ، فيكون إذنك لمن أذنت له على علم . قال ابن عباس : وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يكن يعرف المنافقين يومئذ . وقيل : إنه عليه السلام إنما خيرهم بين الظعن والإقامة ، متوعدا لهم ، ولم يأذن ، فاغتنم القوم ذلك . وفي هذا إخبار من الله سبحانه أنه كان الأولى أن يلزمهم الخروج معه ، حتى إذا لم يخرجوا ، أظهر نفاقهم ، لأنه متى أذن لهم ثم تأخروا ، لم يعلم النقاق كان تأخرهم أم لغيره ، وكان الذين استأذنوه منافقين ، ومنهم جد بن قيس ، ومعتب بن قشير ، وهما من الأنصار . ( لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين ( 44 ) إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الأخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ( 45 ) . المعنى : ثم بين سبحانه حال المؤمنين والمنافقين في الاستئذان ، فقال : ( لا يستأذنك ) أي : لا يطلب منك الإذن في القعود عن الجهاد معك بالمعاذير الفاسدة . وقيل : معناه لا يستأذنك في الخروج ، لأنه مستغن عنه بدعائك إلى ذلك ، بل يتأهب له ، عن أبي مسلم . ( الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) والمعنى : في أن يجاهدوا فحذف في فأفضى الفعل ( والله عليم بالمتقين ) قال ابن عباس : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوه في القعود عن الجهاد ، وعذر للمؤمنين في قوله ( لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) والمعنى : أنه لم يخرجهم من صفة المتقين إلا لأنه علم أنهم ليسوا منهم ( إنما يستأذنك ) في التأخر عن الجهاد