الشيخ الطبرسي

60

تفسير مجمع البيان

( لو كان عرضا قريبا ) معناه : لو كان ما دعوتهم إليه غنيمة حاضرة ( وسفرا قاصدا ) أي : قريبا هينا . وقيل : قاصدا أي ذا قصد نحو تأمر ولابن ( 1 ) ، عن المبرد . وقيل : سهلا متوسطا غير شاق ( لاتبعوك ) طمعا في المال ( ولكن بعدت عليهم الشقة ) أي : المسافة ، يعني غزوة تبوك أمروا فيها بالخروج إلى الشام . ( وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ) معناه : إن هؤلاء سيعتذرون إليك في قعودهم عن الجهاد ، ويحلفون لو استطعنا ، وقدرنا ، وتمكنا من الخروج ، لخرجنا معكم . ثم أخبر سبحانه أنهم ( يهلكون أنفسهم ) بما أسروه من الشرك . وقيل : باليمين الكاذبة ، والعذر الباطل ، لما يستحقون عليها من العقاب ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) في هذا الاعتذار والحلف . وفي هذه دلالة على صحة نبوة نبينا ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أخبر أنهم سيحلفون قبل وقوعه ، فحلفوا ، وكان مخبره على ما أخبر به ، وفيه أيضا دلالة واضحة على أن القدرة قبل الفعل ، لأن هؤلاء لا يخلو إما أن يكونوا مستطيعين من الخروج ، قادرين عليه ، ولم يخرجوا ، أو لم يكونوا قادرين عليه ، وإنما حلفوا لو أنهم قدروا في المستقبل لخرجوا ، فإن كان الأول فقد ثبت أن القدرة قبل الفعل ، وإن كان الثاني فقد كذبهم الله تعالى في ذلك ، وبين أنه لو فعل لهم الاستطاعة لما خرجوا . وفي ذلك أيضا وجوب تقدم القدرة على المقدور ، فإن حملوا الاستطاعة على وجود الآلة ، وعدة السفر ، فقد تركوا الظاهر من غير ضرورة ، فإن حقيقة الاستطاعة القدرة على أنه لو كان عدم الآلة والعدة عذرا في التأخر ، فعدم القدرة أصلا أحرى وأولى أن يكون عذرا فيه . ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بما فيه بعض العتاب في إذنه لمن استأذنه في التأخر عن الخروج معه إلى تبوك فقال ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) في التخلف عنك ، قال قتادة ، وعمرو بن ميمون : اثنان فعلهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يؤمر بهما : اذنه للمنافقين ، وأخذه الفداء من الأسارى ، فعاتبه الله كما تسمعون ، وهذا من لطيف المعاتبة ، بدأه بالعفو قبل العتاب ، وهل كان هذا الإذن قبيحا أم لا ؟ قال الجبائي :

--> ( 1 ) أي ذو تمر ، وذو لبن .