الشيخ الطبرسي

468

تفسير مجمع البيان

مسند إلى المفعول به ، وهو قوله ( ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) ولو كان ( ننجي ) مسندا إلى الفاعل ، كقول من خالفه ، لكان لا نرد بأسنا ، أشبه ، ليكون مثل المعطوف عليه . ومن قرأ ( تصديق الذي بين يديه ) وما بعده بالرفع فيكون التقدير لكن هو تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شئ . فحذف المبتدأ وبقي الخبر . اللغة : استيأس : بمعنى يئس ، كأنه طلب اليأس لعلمه بامتناع الأمر . والبأس : الشدة وهو شدة الأمر على النفس ومنه البؤس : الفقر . ومنه : لا بأس عليك . والقصص : الخبر يتلو بعضه بعضا من أخبار من تقدم . والعبرة : الدلالة التي تعبر إلى البغية . والألباب : العقول ، واحدها لب ، وإنما سمي بذلك لأنه أنفس شئ في الانسان . ولب كل شئ : خياره . المعنى : ثم أخبر سبحانه وتعالى عن حال الرسل مع أممهم ، تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : ( حتى إذا استيأس الرسل ) وهاهنا حذف يدل الكلام عليه ، وتقديره : إنا أخرنا العقاب عن الأمم السالفة المكذبة لرسلنا ، كما أخرناه عن أمتك يا محمد ، حتى إذا بلغوا إلى حالة يأس الرسل عن إيمانهم ، وتحقق يأسهم باخبار الله تعالى إياهم ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) أي : تيقن الرسل أن قومهم كذبوهم تكذيبا عاما ، حتى إنه لا يصلح وأحد منهم ، عن عائشة ، والحسن ، وقتادة ، وأبي علي الجبائي . ومن خفف فمعناه ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم من نصر الله إياهم ، وإهلاك أعدائهم ، عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وابن زيد ، والضحاك ، وأبي مسلم . وقيل : يجوز أن يكون الضمير في ( ظنوا ) راجعا إلى الرسل أيضا ، ويكون معناه : وعلم الرسل أن الذين وعدوهم الإيمان من قومهم ، أخلفوهم ، أو كذبوا فيما أظهروه من الإيمان . وروي أن سعيد بن جبير ، والضحاك اجتمعا في دعوة ، فسئل سعيد بن جبير في هذه الآية كيف يقرأها ، فقال : وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف ، بمعنى وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم . فقال الضحاك : ما رأيت كاليوم قط ، لو رحلت في هذه إلى اليمن ، لكان قليلا . وروي أن أبي مليكة ، عن ابن عباس قال : كانوا بشرا ، فضعفوا ويئسوا ، وظنوا أنهم قد أخلفوا ، ثم تلا قوله تعالى ( حتى يقول الرسول ) ( والذين آمنوا معه متى نصر الله ) الآية . وهذا بعيد . وقد بينا ما فيه .