الشيخ الطبرسي
451
تفسير مجمع البيان
البئر ، والاجتماع على قتله ، وبيعه بثمن وكس ، وما فعلتم بأخيه من إفراده عن يوسف ، والتفريق بينهما ، حتى صار ذليلا فيما بينكم ، لا يكلمكم إلا كما يكلم الذليل العزيز ؟ وإنما لم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم لفراقه ، تعظيما له ، ورفعا من قدره ، وعلما أن ذلك كان بلاء له ، ليزداد به علو الدرجة ، ورفعة المنزلة عند الله تعالى . قال ابن الأنباري : هذا استفهام يعني به تعظيم القصة ، ومعناه : ما أعظم ما ارتكبتم ، وما أقبح ما أتيتم من قطيعة الرحم ، وتضييع حقه ، كما يقول الرجل : هل تدري من عصيت . وفي هذه الآية مصداق قوله ( لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) وقوله ( إذ أنتم جاهلون ) أي : صبيان عن أبن عباس . وقيل : شبان عن الحسن ، ومعناه : فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين جاهلية الصبي في عنفوان الشباب ، حين يغلب على الانسان الجهل ، ولم ينسبهم إلى الجهل في حال الخطاب ، لأنهم كانوا تائبين نادمين في تلك الحال ، وكان هذا تلقينا لهم لما يعتذرون به إليه . وهذا هو الغاية في الكرم ، إذ صفح عنهم ، ولقنهم وجه العذر ، وقالوا : أإنك لأنت يوسف ؟ قيل : إن يوسف لما قال لهم ( هل علمتم ) الآية تبسم ، فلما أبصروا ثناياه ، وكانت كاللؤلؤ المنظوم ، شبهوه بيوسف ، و ( قالوا ) له ( أإنك لأنت يوسف ) عن ابن عباس . وقيل : رفع التاج عن رأسه فعرفوه ( قال أنا يوسف ) أظهر الاسم ، ولم يقل : أنا هو ، تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته ، فكأنه قال : أنا المظلوم المستحل منه المحرم ، المراد قتله . فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني ، عن ابن الأنباري قال : ولهذا قال ( وهذا أخي ) لأن قصده ، وهذا الظلوم كظلمي ( قد من الله علينا ) بالاجتماع بعد طول الفرقة . وقيل : من الله علينا بكل خير في الدنيا والآخرة ( انه من يتق ) أي : يتق الله ( ويصبر ) على المصائب ، وعن المعاصي ( فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) أي : أجر من كان هذا حاله والضياع ذهاب الشئ من غير عوض ( قالوا تالله ) أي : أقسموا بالله سبحانه ( لقد آثرك الله علينا ) أي : فضلك واختارك الله علينا بالحلم ، والعلم ، والعقل ، والحسن ، والملك ( وإن كنا لخاطئين ) أي : ما كنا إلا مخطئين آثمين فيما فعلنا . وهذا يدل على أنهم ندموا ، على ما فعلوا ، ولم يصروا عليه ( قال ) يوسف ( لا تثريب عليكم اليوم ) أي : لا تعيير ، ولا توبيخ ولا تقريع عليكم الآن ، فيما فعلتم ( يغفر الله لكم )