الشيخ الطبرسي

350

تفسير مجمع البيان

الناس أمة واحدة ) أي : على ملة واحدة ، ودين واحد ، فيكونون مسلمين صالحين ، عن قتادة . وذلك بأن يلجئهم إلى الاسلام ، بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو راموا غير ذلك لمنعوا منه ، لكن ذلك ينافي التكليف ، ويبطل الغرض بالتكليف ، لأن الغرض به استحقاق الثواب ، والإلجاء يمنع من استحقاق الثواب ، فلذلك لم يشأ الله ذلك ، ولكنه شاء أن يؤمنوا باختيارهم ، ليستحقوا الثواب . وقيل : معناه لو شاء ربك لجعلهم أمة واحدة في الجنة ، على سبيل التفضل ، لكنه اختار لهم أعلى الدرجتين ، فكلفهم ليستحقوا الثواب ، عن أبي مسلم . وقيل : معناه لو شاء لرفع الخلاف فيما بينهم . ( ولا يزالون مختلفين ) في الأديان بين يهودي ، ونصراني ، ومجوسي ، وغير ذلك ، عن مجاهد ، وقتادة ، وعطا ، والأعمش ، والحسن في إحدى الروايتين عنه . وفي الرواية الأخرى عنه أنهم مختلفون في الأرزاق ، والأحوال ، ولتسخير بعضهم لبعض . وقيل : معناه يخلف بعضهم بعضا في الكفر ، تقليدا من غير نظر ، فإن قولك : خلف بعضهم بعضا ، وقولك : اختلفوا سواء ، كما أن قولك قتل بعضهم بعضا ، وقولك : اقتتلوا سواء ، عن أبي مسلم . ( إلا من رحم ربك ) من المؤمنين ، فإنهم لا يختلفون ، ويجتمعون على الحق ، عن ابن عباس . والمعنى : لا يزالون مختلفين بالباطل إلا من رحمهم الله بفعل اللطف لهم ، الذي يؤمنون عنده ، ويستحقون به الثواب ، فإن من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل ( ولذلك خلقهم ) اختلف في معناه فقيل : يريد وللرحمة خلقهم ، عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وهذا هو الصحيح . واعترض على ذلك بأن قيل : لو أراد الله ذلك . لقال : ولتلك خلقهم ، لأن الرحمة مؤنثة ، وهذا باطل ، لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي ، فإذا ذكر ، فعلى معنى التفضل والانعام . وقد قال سبحانه : ( هذا رحمة من ربي ) و ( إن رحمة الله قريب ) ومثله قول امرئ القيس : برهرهة ، رؤدة ، رخصة * كخزعوبة البانة المنفطر ( 1 ) ولم يقل المنفطرة ، لأنه ذهب إلى الغصن ، وقال :

--> ( 1 ) البرهرهة : المرأة التي لها بريق من صفائها . وقيل : هي الرقيقة الجلد . والرؤدة . الشابة الحسنة . وخزعوبة : القضيب الغض . والبانة : شجر . والمنفطر : المنشق .