الشيخ الطبرسي

351

تفسير مجمع البيان

قامت تبكيه على قبره : من لي من بعدك يا عامر تركتني في الدار في غربة قد ذل من ليس له ناصر ولم يقل ذات غربة ، لأنه أراد شخصا ذا غربة ، وقالت الخنساء : فذلك يا هند الرزية فاعلمي ، ونيران حرب حين شب وقودها ( 1 ) أراد الرزء . وفي أمثال ذلك كثرة على أن قوله ( إلا من رحم ربك ) كما يدل على الرحمة ، يدل أيضا على أن يرحم ، فلا يمتنع أن يكون المراد : لأن يرحموا خلقهم . وقيل : إن المعنى : ولاختلاف خلقهم . واللام : للعاقبة ، يريد : إن الله خلقهم ، وعلم أن عاقبتهم تؤول إلى الاختلاف المذموم ، كما قال . ( ولقد ذرأنا لجهنم ) عن الحسن ، وعطا ، ومالك . ولا يجوز على هذا أن يكون اللام للغرض ، لأنه تعالى لا يجوز أن يريد منهم الاختلاف المذموم ، إذ لو أراد ذلك منهم ، لكانوا مطيعين له في ذلك الاختلاف ، لأن الطاعة حقيقتها موافقة الإرادة والأمر ، ولو كانوا كذلك لما استحقوا عقابا . وأما إذا حمل معنى الاختلاف على ما قاله أبو مسلم : فيجوز أن تكون اللام للغرض . وقيل : إن ذلك إشارة إلى اجتماعهم على الإيمان ، وكونهم فيه أمة واحدة ، ولا محالة أن الله سبحانه لهذا خلقهم ، ويؤيد هذا قوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . وقال المرتضى ، قدس الله روحه : قد قال قوم إن معنى الآية : ولو شاء ربك أن يدخل الناس بأجمعهم الجنة ، فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم ، أمة واحدة ، لفعل ، وأجروا هذه الآية مجرى قوله ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) في أنه أراد هديها إلى طريق الجنة . فعلى هذا التأويل يمكن أن يكون لفظة ذلك إشارة إلى إدخالهم أجمعين الجنة ، لأنه تعالى إنما خلقهم للمصير إليها ، والوصول إلى نعيمها . ( وتمت كلمة ربك ) أي : وصل وحيه ووعيده الذي لا خلف فيه بتمامه إلى عباده . وقيل : تمت كلمة ربك صدقا ، بأن وقع مخبرها على ما أخبر به ، عن الجبائي . وقيل : معناه وجب قول ربك ، عن ابن عباس . وقيل : مضى حكم ربك ، عن الحسن . ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) بكفرهم ( وكلا ) أي : وكل القصص ( نقص عليك من أنباء الرسل ) أي : من أخبارهم ( ما نثبت به فؤادك )

--> ( 1 ) والشاهد في قولها : ( ذلك ) ، ولم تقل ( تلك ) لأنها أرادت الرزء .