الشيخ الطبرسي
335
تفسير مجمع البيان
في النار والجنة ، من لدن نزول الآية ، أو من بعد انقطاع التكليف . فحصل للاستثناء فائدة ، عن المازني وغيره ، واختاره البلخي . فإن قيل كيف يستثنى من الخلود في النار ما قبل الدخول فيها ؟ فالجواب : إن ذلك جائز إذا كان الإخبار به قبل دخولهم فيها . وثالثها : ان الاستثناء الأول يتصل بقوله ( لهم فيها زفير وشهيق ) وتقديره إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين ، ولا يتعلق الاستثناء بالخلود ، وفي أهل الجنة يتصل بما دل عليه الكلام ، فكأنه قال لهم فيها نعيم إلا ما شاء ربك من أنواع النعيم . وإنما دل عليه قوله ( عطاء غير مجذوذ ) ، عن الزجاج . ورابعها : أن يكون إلا بمعنى الواو أي : وما شاء ربك من الزيادة ، عن الفراء . واستشهد على ذلك بقول الشاعر : وأرى لها دارا بأغدرة * السيدان لم يدرس لها رسم إلا رمادا هامدا دفعت * عنه الرياح خوالد سحم ( 1 ) قال : والمراد بإلا الواو ههنا ، وإلا كان الكلام متناقضا . وهذا القول قد ضعفه محققو النحويين وخامسها : إن المراد بالذين شقوا : من أدخل النار من أهل التوحيد الذين ضموا إلى إيمانهم وطاعتهم ارتكاب المعاصي ، فقال سبحانه : إنهم معاقبون في النار إلا ما شاء ربك من إخراجهم إلى الجنة ، وإيصال ثواب طاعاتهم إليهم . ويجوز أن يريد بالذين شقوا جميع الداخلين إلى جهنم ، ثم استثنى بقوله ( إلا ما شاء ربك ) أهل الطاعات منهم ، ممن استحق الثواب . ولا بد أن يوصل إليه ، وتقديره إلا ما شاء ربك أن يخرجه بتوحيده من النار ، ويدخله الجنة . وقد يكون ( ما ) بمعنى ( من ) قال سبحانه : ( سبح لله ما في السماوات ) وقالت العرب عند سماع الرعد : سبحان ما سبحت له . وأما في أهل الجنة فهو استثناء من خلودهم أيضا لما ذكرناه ، لأن من ينقل إلى الجنة من النار وخلد فيها ، لابد في الإخبار عنه بتأييد خلوده أيضا من استثناء ما تقدم فكأنه قال : خالدين فيها إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أدخلهم فيه النار قبل أن ينقلهم إلى الجنة . فما في قوله ( ما شاء ربك )
--> ( 1 ) قائله المخبل السعدي . وأغدرة السيدان : موضع بين البصرة والبحرين . والرماد الهامد : المتلبد بعضه على بعض . والخوالد : البواقي : عنى بها الأثافي . والسحمة : لون يضرب إلى السواد . والشاهد في أن ( إلا ) ههنا بمعنى الواو حيث قال : إن الأثافي دفعت عنه الرياح ، فهو داخل في جملة ما لم يدرس ، ولم يستثنه .