الشيخ الطبرسي

336

تفسير مجمع البيان

ههنا على بابه ، والاستثناء من الزمان ، والاستثناء في الأول من الأعيان . والذين شقوا على هذا القول هم الذي سعدوا بأعيانهم . وإنما أجرى عليهم كل لفظ في الحال التي تليق به . فإذا أدخلوا النار وعوقبوا فيها فهم من أهل الشقاء . وإذا نقلوا منها إلى الجنة ، فهم من أهل السعادة . وهذا قول ابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وأبي سعيد الخدري ، وقتادة ، والسدي ، والضحاك ، وجماعة من المفسرين . وروى أبو ورق عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : الذين شقوا ليس فيهم كافر ، وإنما هم قوم من أهل التوحيد ، يدخلون النار بذنوبهم ، ثم يتفضل الله عليهم ، فيخرجهم من النار إلى الجنة ، فيكونون أشقياء في حال ، سعداء في حال أخرى . وقال قتادة : الله أعلم بمشيئته ذكر لنا أن ناسا يصيبهم سفع ( 1 ) من النار بذنوبهم ، ثم يدخلهم الله الجنة برحمته ، يسمون الجهنميين ، وهم الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة . قال : وحدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يخرج قوم من النار قال ولا نقول ما يقوله أهل ( حروراء ) . وهذا القول هو المختار المعول عليه . وسادسها أن تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود والتبعيد للخروج ، لأن الله تعالى لا يشاء إلا تخليدهم على ما حكم به ، فكأنه تعليق لما لا يكون بما لا يكون ، لأنه لا يشاء أن يخرجهم منها وسابعها : ما قاله الحسن : إن الله سبحانه استثنى ، ثم عزم بقوله ( إن ربك فعال لما يريد ) أنه أراد أن يخلدهم . وقريب منه ما قاله الزجاج وغيره : إنه استثناء تستثنيه العرب وتفعله ، كما تقول والله لأضربن زيدا إلا أن أرى غير ذلك ، وأنت عازم على ضربه . والمعنى في الاستثناء على هذا أني لو شئت أن لا أضربه لفعلت . وثامنها : قال يحيى بن سلام البصري : إنه يعني بقوله ( إلا ما شاء ربك ) ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم من الفريقين ، واحتج بقوله تعالى ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ) قال : إن الزمرة تدخل بعد الزمرة ، فلا بد أن يقع بينهما تفاوت في الدخول . والاستثناء أن على هذا من الزمان . وتاسعها : إن المعنى : خالدون في النار ، دائمون فيها مدة كونهم في القبور ، ما دامت السماوات والأرض في الدنيا . وإذا فنيتا وعدمتا ، انقطع عقابهم إلى أن يبعثهم الله للحساب . وقوله ( إلا ما شاء ربك ) : استثناء وقع على ما

--> ( 1 ) السفع : السواد .