الشيخ الطبرسي
33
تفسير مجمع البيان
يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة ، عن الجبائي . ( وعذب الذين كفروا ) بالقتل ، والأسر ، وسلب الأموال ، والأولاد ، ( وذلك جزاء الكافرين ) أي : وذلك العذاب جزاء الكافرين على كفرهم ، ( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ) : ذكر سبحانه ثم في ثلاثة مواضع متقاربة الأول . ( ثم وليتم مدبرين ) عطف على ما قبله من الفعل ، وهو قوله ( ضاقت عليكم ) والثاني : ( ثم أنزل الله سكينته ) عطف على ( وليتم مدبرين ) . والثالث : ( ثم يتوب الله ) عطف على ( أنزل ) ، وإنما حسن عطف المستقبل على الماضي ، لأن يشاكله ، فإن الأول تذكير بنعمة الله ، والثاني وعد بنعمة الله . والمعنى ثم يقبل الله توبة من تاب عن الشرك ، ورجع إلى طاعة الله والإسلام ، وندم على ما فعل من القبيح . ويجوز أن يريد : ثم يقبل الله توبة من انهزم من بعد هزيمته . ويجوز أن يريد : يقبل توبتهم عن اعجابهم بالكثرة ، وإنما علقه بالمشيئة لأن قبول التوبة تفضل من الله ، ولو كان واجبا على ما قاله أهل الوعيد لما جاز تعليقه بالمشيئة ، كما لا يجوز تعليق الثواب على الطاعة بالمشيئة ، ومن خالف في ذلك قال : إنما علقها بالمشيئة لأن منهم من له لطف يصلح به ، ويتوب ويؤمن عنده ، ومنهم من لا لطف له منه ( والله غفور ) أي : ستار للذنوب ( رحيم ) بعباده . القصة : ذكر أهل التفسير ، وأصحاب السير ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح مكة خرج منها متوجها إلى ( حنين ) لقتال هوازن وثقيف ، في آخر شهر رمضان ، أو في شوال ، من سنة ثمان من الهجرة . وفد اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النصري ، وساقوا معهم أموالهم ، ونساءهم ، وذراريهم ، ونزلوا بأوطاس ( 1 ) . وقال : وكان دريد بن الصمة في القوم ، وكان رئيس جشم ، وكان شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر ، فقال : بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس ( 1 ) . قال : نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ( 2 ) ، مالي أسمع رغاء البعير ، ونهيق الحمير ، وخوار البقر ، وثغاء الشاة ، وبكاء الصبيان ؟ فقالوا : إن مالك بن عوف ساق مع الناس أبناءهم ، وأموالهم ، ونساءهم ، ليقاتل كل منهم عن أهله وماله . فقال دريد : راعي ضأن ورب الكعبة .
--> ( 1 ) أوطاس : واد بديار هوازن ، جنوبي مكة بنحو ثلاث مراحل ، وهي من النوادر التي جاء بلفظ الجمع الواحد . ( 2 ) الحزن - بالفتح : المكان الغليظ الخشن . والضرس : الأكمة الخشنة الغليظة الخشن كأنها مضرسة . والدهس : ما سهل ولان من الأرض ، ولم يبلغ أن يكون رملا .