الشيخ الطبرسي
34
تفسير مجمع البيان
ثم قال : ائتوني بمالك . فلما جاءه قال : يا مالك ! إنك أصبحت رئيس قومك ، وهذا يوم له ما بعده ، رد قومك إلى عليا بلادهم ، والق الرجال على متون الخيل ، فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه وفرسه ، فإن كانت لك لحق بك من ورائك ، وإن كانت عليك ، لا تكون فضحت في أهلك وعيالك . فقال له مالك : إنك قد كبرت ، وذهب علمك وعقلك ، وعقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لواءه الأكبر ، ودفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، وكل من دخل مكة براية ، أمره أن يحملها ، وخرج بعد أن أقام بمكة خمسة عشر يوما ، وبعث إلى صفوان بن أمية ، فاستعار منه مائة درع ، فقال صفوان : عارية أم غصب ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : عارية مضمونة ، مؤداة . فأعاره صفوان مائة درع ، وخرج معه ، وخرج من مسلمة الفتح ألفا رجل . وكان عليه السلام دخل مكة في عشرة آلاف رجل ، وخرج منها في اثني عشر ألفا . وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من أصحابه فانتهى إلى مالك بن عوف ، وهو يقول لقومه : ليصير كل رجل منكم أهله وماله خلف ظهره ، واكسروا جفون سيوفكم ، واكمنوا في شعاب هذا الوادي ، وفي الشجر ، فإذا كان في غبش الصبح ( 1 ) ، فاحملوا حملة رجل واحد ، فهدوا القوم ، فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب . ولما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه الغداة ، انحدر في وادي حنين ، فخرجت عليهم كتائب هوازن من كل ناحية ، وانهزمت بنو سليم ، وكانوا على المقدمة ، وانهزم ما وراءهم ، وخلى الله تعالى بينهم وبين عدوهم لإعجابهم بكثرتهم ، وبقي علي عليه السلام ومعه الراية يقاتلهم في نفر قليل . ومر المنهزمون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يلوون على شئ ، وكان العباس بن عبد المطلب آخذا بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والفضل عن يمينه ، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب عن يساره ، ونوفل بن الحرث ، وربيعة بن الحرث ، في تسعة من بني هاشم ، وعاشرهم أيمن بن أم أيمن . وقتل يومئذ ، وفي ذلك يقول العباس :
--> ( 1 ) الغبش : ظلمة آخر الليل . وقيل : هو مما يلي الصبح .