الشيخ الطبرسي
287
تفسير مجمع البيان
سبيل التخشع والاستكانة لله تعالى ، وإن لم يسبق منه ذنب . ثم حكى الله سبحانه ما أمر به نوحا حين استقرت السفينة على الجبل ، بعد خراب الدنيا بالطوفان ، فقال : ( قيل يا نوح اهبط ) أي : انزل من الجبل ، أو من السفينة بسلام منا ) أي : بسلامة منا ونجاة . وقيل : بتحية وتسليم منا عليك ( وبركات عليك ) أي : ونعم دائمة ، وخيرات نامية ثابتة ، حالا بعد حال ، عليك ( وعلى أمم ممن معك ) يعني الأمم الذين كانوا معه في السفينة من المؤمنين . والأمة : الجماعة الكثيرة المتفقة على ملة واحدة . وقيل : معناه وعلى أمم من ذرية من معك . وقيل : يعني بالأمم سائر الحيوان الذين كانوا معه ، لأن الله تعالى جعل فيها البركة . ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) معناه : أنه يكون من نسلهم أمم سنمتعهم في الدنيا بضروب من النعم ، فيكفرون ونهلكهم ، ثم يمسهم بعد الهلاك عذاب مؤلم . وإنما ارتفع ( أمم ) لأنه استأنف الإخبار عنهم . وروي عن الحسن أنه قال : هلك المتمتعون في الدنيا ، لأن الجهل يغلب عليهم والغفلة ، فلا يتفكرون إلا في الدنيا وعمارتها وملاذها . ثم أشار سبحانه إلى ما تقدم ذكره من اخبار قوم نوح فقال ( تلك ) أي : تلك الأنباء ( من أنباء الغيب ) أي : من أخبار ما غاب عنك معرفته . ولو قال ( ذلك ) كان جائزا ، لأن المصادر قد يكنى عنها بالتذكير ، كما يكنى بالتأنيث . يقولون : قدم فلان ففرحت بها أي : بقدمته ، وفرحت به أي : بقدومه . ( نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ) أي : إن هذه الأخبار التي أعلمناكها ، لم تكن تعلمها أنت ، ولا قومك من العرب يعرفونها من قبل ايحائنا إليك ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب وسير . وقيل : من قبل هذا القرآن ، وبيان القصص فيه ( فاصبر ) أي : فاصبر على القيام بأمر الله ، وعلى أذى قومك يا محمد ، كما صبر نوح على أذى قومه . وهذا أحد الوجوه التي لأجلها كرر الله قصص الأنبياء عليهم السلام ، ليصبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما كان يقاسيه من أمور الكفار الجهال ، حالا بعد حال ( إن العاقبة للمتقين ) أي : إن العاقبة المحمودة ، وخاتمة الخير والنصرة ، للمتقين ، كما كانت لنوح عليه السلام . ( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون ( 50 ) يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجرى إلا على