الشيخ الطبرسي
189
تفسير مجمع البيان
المعنى : ثم رد الله سبحانه على الكفار قولهم : إئت بقرآن غير هذا ، أو بدله . وقولهم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم افترى هذا القرآن فقال : ( وما كان هذا القرآن أن يفترى ) أي : افتراء ( من دون الله ) فأقام أن مع الفعل مقام المصدر ، بل هو وحي من الله ، ومتلقى منه ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) من الكتب كما قال في موضع آخر ( مصدقا لما بين يديه ) . وهذه شهادة من الله بأن القرآن صدق وشاهد لما تقدم من التوراة والإنجيل والزبور ، بأنها حق ، ومن وجه آخر هو شاهد لها من حيث إنه مصداق لها على ما تقدمت البشارة به فيها . وقيل : معناه تصديق الذي بين يديه في المستقبل من البعث والنشور ، والحساب ، والجزاء . ( وتفصيل الكتاب ) أي : تبيين المعاني المجملة في القرآن من الحلال ، والحرام ، والأحكام الشرعية . وقيل : معناه وبيان الأدلة التي تحتاجون إليها في أمور دينكم ( لا ريب فيه من رب العالمين ) أي : لا شك فيه أنه نازل من عند الله ، وأنه معجز لا يقدر أحد على مثله ، وهذا غاية في التحدي . ( أم يقولون افتراه ) : هذا تقرير على موضع الحجة بعد مضي حجة أخرى ، وتقديره : بل أيقولون افتراه هذا فألزمهم على الأصل الفاسد إمكان أن يأتوا بمثله و ( قل ) لهم ( فأتوا بسورة مثله ) أي : مثله في البلاغة لأنكم من أهل لسانه ، فلو قدر على ذلك لقدرتم أنتم أيضا عليه ، فإذا عجزتم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من كلام البشر ، وأنه منزل من عند الله عز اسمه ، وقيل : ( بسورة مثله ) أي : بسورة مثل سورة منه . وقال : ( مثله ) لأنه إنما التمس من هذا شبه الجنس . ( وادعوا من استطعتم من دون الله ) أي وادعوا من قدرتم عليه من دون الله ، واستعينوا به للمعاضدة على المعارضة بسورة مثله ( إن كنتم صادقين ) في أن هذا القرآن مفترى من دون الله . وهذا أيضا غاية في التحدي والتعجيز . ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) أي : بما كذبوا ، ولم يعلموه من جميع وجوهه ، لأن في القرآن ما يعلم المراد منه بدليل ، ويحتاج إلى الفكر فيه ، والرجوع إلى الرسول في معرفة مراده ، وذلك مثل المتشابه . فالكفار لما لم يعرفوا المراد بظاهره ، كذبوا به . وقيل : معناه بل كذبوا بما لم يحيطوا علما بكيفية نظمه وترتيبه ، وهذا كما أن الناس يعرفون ألفاظ الشعر والخطب ومعانيها ، ولا يمكنهم إبداعها