الشيخ الطبرسي
190
تفسير مجمع البيان
لجهلهم بنظمها وترتيبها . وقال الحسن : معناه بل كذبوا بالقرآن من غير علم ببطلانه . وقيل : معناه بل كذبوا بما في القرآن من الجنة والنار ، والبعث والنشور ، والثواب والعقاب . ( ولما يأتهم تأويله ) أي : لم يأتهم بعد حقيقة ما وعد في الكتاب مما يؤول إليه أمرهم من العقوبة . وقيل : معناه إن في القرآن أشياء لا يعلموه هم ، ولا يمكنهم معرفته ، إلا بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يرجعوا إليه ، وكذبوا به فلم يأتهم تفسيره وتأويله . فيكون معنى الآية : بل كذبوا بما لم يدركوا علمه من القرآن ، ولم يأتهم تفسيره ، ولو راجعوا فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلموه . وروي عن أبي عبيد الله عليه السلام أنه قال : إن الله خص هذه الأمة بآيتين من كتابه أن لا يقولوا إلا ما يعلمون ، وأن لا يردوا ما لا يعلمون . ثم قرأ : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ) الآية . وقرأ : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) الآية . وقيل : إن من هنا أخذ أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله : ( الناس أعداء ما جهلوا ) . وأخذ قوله : ( قيمة كل امرئ ما يحسنه ) من قوله ، عز وجل : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ) وأخذ قوله ( تكلموا تعرفوا ) من قوله : ( ولتعرفنهم في لحن القول ) . ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) أي : مثل تكذيب هؤلاء ، كذبت الأمم السالفة رسلها ( فانظر ) يا محمد ( كيف كان عاقبة الظالمين ) أي : كما كان عاقبة أولئك الهلاك ، كذلك يكون عاقبة هؤلاء . ثم أخبر سبحانه أن من جملة هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن ، ونسبوه إلى الافتراء ، من سيؤمن به في المستقبل ، ويصدق بأنه من عند الله ، ومنهم من يموت على كفره ، فقال : ( ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ) وأراد سبحانه أنه إنما لا يهلكهم في الحال ، لما يعلم في تبقيتهم من الصلاح . وقيل : معناه ومنهم من يؤمن بالقرآن في نفسه ، ويعلم صحته ، إلا أنه يعاند ويظهر من نفسه خلاف ما يعلمه ، ومنهم من هو شاك فيه ، فكأنه قال ومنهم معاندون ، ومنهم شاكون ( وربك أعلم بالمفسدين ) أي : بمن يدوم على الفساد ، ويعلم من يتوب . ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون ( 41 ) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ( 42 )