الشيخ الطبرسي

182

تفسير مجمع البيان

شركائكم ، يعني الأوثان ، فقد صحبتموهم في الدنيا ، فاصحبوهم في المحشر . وقيل : معناه اثبتوا حتى تسألوا كقوله : ( وقفوهم انهم مسؤولون ) . ( فزيلنا بينهم ) أي : فميزنا وفرقنا بينهم في المسألة ، فسألنا المشركين على حدة : لما عبدتم الأصنام ؟ وسألنا الأصنام على حدة : لما عبدتم ؟ وبأي سبب عبدتم ؟ وهذا سؤال تقريع وتبكيت ، عن الحسن ، ومثله ( وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ) وقيل : معناه فزيلنا بينهم وبين الأوثان ، فتبرأ منهم الشركاء ، وانقطعت أسبابهم . ( وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ) أي : يحييهم الله وينطقهم ، فقالوا : ما كنا نشعر بأنكم إيانا تعبدون ، عن مجاهد . وقيل : إن شركاءهم من كانوا يعبدونهم من الشياطين . وقيل : هم الملائكة الذين كانوا يعبدونهم من دون الله ، وفي كيفية جحدهم لعبادتهم إياه قولان أحدهما : إنهم يقولون ذلك على وجه إهانتهم بالرد عليهم أي : ما اعتذرنا بذلك لكم والآخر : إن المراد أنكم لم تعبدونا بأمرنا ودعائنا ، ولم يرد أنهم لم يعبدوهم أصلا ، لأن ذلك كذب لا يجوز أن يقع في الآخرة ، لكونهم ملجئين إلى ترك القبيح ، عن الجبائي . وهذه الآية نظير قوله ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) الآية ( فكفى بالله شهيدا ) أي : فاصلا للحكم ( بيننا وبينكم ) أيها المشركون ( إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) مر معناه ، وهذا إذا كان المراد به الملائكة ، فإنهم عما ادعوه غافلون ، لأنهم لم يشعروا بذلك ولا أمروا به . وإن كان المراد الأصنام ، فلم يكن لها حس ، ولا علم . وهذا غاية في إلزام الحجة ، اختاروا للعبادة من لم يدعهم إليها ، ولم يشعر بها ( هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت ) أي : في ذلك المكان ، وفي تلك الحال ، وفي ذلك الوقت ، تجرب وتعلم كل نفس ما قدمت من خير أو شر ، وترى جزاءه على القراءة بالتاء معناه : تقرأ كل نفس جزاء عملها ، وجزاء ما قدمته . ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) أي : وردوا إلى جزاء الله ، وإلى الموضع الذي لا يملك أحد فيه الحكم إلا الله الذي هو مالكهم ، وسيدهم ، وخالقهم ، والحق : صفة لله تعالى ، وهو القديم الدائم الذي لا يفنى ، وما سواه يبطل . وقيل : الحق هو الذي يكون معنى اللفظ حاصلا له على الحقيقة . فالله ، جل جلاله ، وهو الحق ، لأن معنى الإلهية حاصل له على الحقيقة ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي : بطل وهلك عنهم ما كانوا يدعونه بافترائهم من الشركاء مع الله تعالى .