الشيخ الطبرسي

124

تفسير مجمع البيان

مفعول له ، وكذلك ما بعده . والمعنى : اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد ، فلما حذف اللام أفضى الفعل ، فنصب . ويجوز أن يكون مصدرا محمولا على المعنى ، لأن اتخاذهم المسجد على غير التقوى ، معناه : ضاروا به ضرارا من أول يوم دخلت من في الزمان ، والأصل منذ ومذ ، هذا الأكثر استعمالا في الزمان ، ومن جائز دخولها أيضا ، لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض ، ومنه قول زهير : لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ، ومن شهر ( 1 ) ويروى من دهر ، وقد قيل : إن المعنى من مر حجج ، ومن مر شهر ، وأن تقوم في موضع نصب أي : أحق بأن تقوم فيه ، وفيه منصوب الموضع بقوله ( تقوم ) وفيه من قوله ( فيه رجال ) في موضع رفع ، لأنه خبر مبتدأ مقدم عليه ، والمبتدأ ( رجال ) ولا يجوز أن يكون مرفوع الموضع بكونه وصفا لمسجد ، بل هو على الاستئناف والوقف التام على قوله : ( أحق أن تقوم فيه ) ثم استؤنف الكلام فقيل : ( فيه رجال ) ، وإنما قلنا ذلك ، لأنك لو جعلت الظرف الذي هو ( فيه ) وصفا لمسجد ، لكنت فصلت بين النكرة وصفتها ، بالخبر الذي هو أحق . وقوله ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ) قال أبو علي : القول فيه أنه يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانيين ، ويجوز أن يكون بين البنائين ، فإذا عادلت بين البانيين ، كان المعنى المؤسس بنيانه متقيا خير ، أم المؤسس بنيانه غير متق ، لأن قوله ( على شفا جرف ) يدل على أن بانيه غير متق لله تعالى ، ولا خاش له ، ويجوز أن يقدر حذف المضاف كأنه قال : أبناء من أسس بنيانه متقيا خير ، أم بناء من أسس بنيانه على شفا جرف . والبنيان : مصدر أوقع على المبنى مثل الخلق إذا عنيت به المخلوق ، وضرب الأمير إذا عنيت به المضروب ، وكذلك نسج اليمن ، يدلك على ذلك أنه لا يخلو من أن يراد به اسم الحدث ، أو اسم العين ، فلا يجوز أن يكون الحدث ، لأنه إنما يؤسس المبنى الذي هو عين ، ويبين ذلك أيضا قوله ( على شفا جرف ) والحدث لا يعلو شفا جرف ، والجار في قوله ( على تقوى من الله ) وقوله ( على شفا جرف هار ) في موضع نصب على الحال ، تقديره أفمن أسس بنيانه متقيا ، خيرا ، أم من أسس

--> ( 1 ) قنة الحجر : موضع . وأقوين أي : أقفرن من أقوت الدار : خلت من ساكنيها . وحجج جمع حجة : السنة . وفي شرح الأشموني ( أقوين مذ حجج ومذ دهر ) ولمحمد محيي الدين في شرحه كلام طويل فراجع ج 3 : 309 - 311 .