الشيخ الطبرسي
125
تفسير مجمع البيان
بنيانه غير متق أو معاقبا على بنائه . وفاعل إنهار البنيان أي إنهار البنيان بالباني في نار جهنم ، لأنه معصية وفعل لما كرهه الله تعالى ، من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين . ومن أمال ( هار ) فقد أحسن لما في الراء من التكرير ، فكأنك لفظت براءين مكسورتين ، وبحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة ، ومن لم يمل فلأن ترك الإمالة هو الأصل وقوله ( إلا أن تقطع قلوبهم ) : موضع ( أن تقطع ) نصب تقديره إلا على تقطع قلوبهم ، غير أن حرف الإضافة يحذف مع أن ، ولا يحذف مع المصدر ، ومعنى ( إلا ) ههنا ( حتى ) لأنه استثناء من الزمان المستقبل ، والاستثناء منه منته إليه فاجتمعت مع ( حتى ) في هذا الموضع على هذا المعنى . النزول : قال المفسرون : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء ، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يأتيهم ، فأتاهم وصلى فيه ، فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف ، فقالوا : نبني مسجدا ، فنصلي فيه ، ولا نحضر جماعة محمد ، وكانوا اثني عشر رجلا ، وقيل : خمسة عشر رجلا ، منهم ثعلبة بن حاطب ، ومعتب بن قشير ، ونبتل بن الحرث . فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء ، فلما فرغوا منه ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله ! إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة ، والحاجة ، والليلة المطيرة ، والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا ، وتدعو بالبركة . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إني على جناح سفر ، ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله ، فصلينا لكم فيه . فلما انصرف رسول الله من تبوك ، نزلت عليه الآية في شأن المسجد . المعنى : ثم ذكر سبحانه جماعة أخرى من المنافقين بنوا مسجدا ، للتفريق بين المسلمين ، وطلب الغوائل للمؤمنين ، فقال : ( والذين اتخذوا مسجدا ) والمسجد : موضع السجود في الأصل ، وصار بالعرف اسما لبقعة مخصوصة بنيت للصلاة ، فالاسم عرفي فيه معنى اللغة ( ضرارا ) أي مضارة ، يعني الضرر بأهل مسجد قباء ، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ليقل الجمع فيه ( وكفرا ) أي : ولإقامة الكفر فيه . وقيل : أراد أنه كان اتخاذهم ذلك كفرا بالله . وقيل : ليكفروا فيه بالطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والإسلام . ( وتفريقا بين المؤمنين ) أي : لاختلاف الكلمة ، وإبطال الإلفة ، وتفريق